صانعة الحضارة..!

صانعة الحضارة..!



كم هي رائعة ومدهشة المرأة الصالحة ؛ نعم فهي لبنة فعالة ومؤثرة وشمعة منيرة أينما وجدت، هي زهرة الحياة وبهجتها وألوانها الزاهية، يقول عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم " الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة ", وهي حجر الزاوية في بناء المجتمع؛ إذا أردنا أن نحلل أسباب أي نهضة أو تخلف يلحق بأي دولة نجده يرجع إلى المرأة , فالمرأة هي الأم المربية والأخت الصديقة والابنة المطيعة والزوجة الصالحة  ..

فهيا نتعرف على هذا الكائن الرائع وكيف يكون مؤثراً لا متأثراً وقائداً لا منقاداً وثابتاً لا مخلخلاً ..

ماذا أراد الله تعالى لها ؟ وماذا أراد المبطلون ؟

عانت المرأة في التاريخ البشري قبل الإسلام وفي المجتمعات غير المسلمة في الواقع المعاصر واقعا مؤلماً من ظلم وبخس واعتداء وانتهاك لكرامتها، وبالمقابل لا توجد الصور المشرقة ووقائع التكريم من إجلال وتكريم واحترام تقديس كما هي في دين الإسلام.

وينظر الإسلام إلى المرأة كونها تلعب دور أسري في الأساس كونها الأم والأخت والزوجة، وأنها شريكة الرجل في تحمل مسؤوليات الحياة وإقامة الأسرة باعتبارها الوحدة البنائية الأولى والأساس في إقامة المجتمعات البشرية..

وهذه الحقيقة ليست غائبة عن أعداء الإسلام، بل إنهم يضعونها نصب أعينهم فقد استقر في يقينهم أنه لا سبيل لهم على تدمير الأمة إلا أن ينفذوا إلى الأسرة فيدمرونها، وينفذوا إلى المرأة فيحطموا ثقتها بنفسها ويحقروا من وظيفة الأم وربة المنزل في نظرها ويزينوا لها بكل سبيل أن دورها الرئيس في المجتمع هو العمل خارج المنزل، وبينما تنزلت آيات الله تعالى منذ أكثر من أربعة عشر قرناً بالامتنا على عباده بآية الزواج وتكوين الأسرة، قال تعالى"وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" – الروم:21 - قال "الطاهر بن عاشور قي تفسيرها:( هذه آية فيها عظة وتذكير بنظام الناس العام وهو نظام الازدواج وكينونة العائلة وأساس التناسل، وهو نظام عجيب جعله الله مرتكزاً في الجبلة لا يشذ عنه إلا الشذاذ)  .

نجد بعد ذلك من يعمل على هدم الأسرة بتأسيس نظريات عفنة، يقول عالم الاجتماع اليهودي "إيميل دور كايم":إن الأسرة عمل صناعي ولا ضرورة لها، والأصل هو شيوعية النساء..إنّ الزواج ليس فطرة والأسرة ليست نظاماً طبيعياً.."  (محمد عبده:بيوتنا كما يجب أن تكون، ص:108)

والعجيب أن أول من عانى من هذه النظريات الفاسدة هو المرأة في المجتمعات الغربية حيث تقاوم النساء أكذوبة الحرية التي لا يعشنها..!

تخبرنا الإحصائيات أن 80 % من الأمريكيات يعتقدن أن الحرية التي حصلت عليها المرأة منذ 30 سنة هي سبب العنف الأسري في الوقت الراهن وتشير الدراسات إلى أن 75% منهن يشعرن بالضياع والقلق لانهيار القيم والتفسخ العائلي.

 

الارتباط الهام بين المرأة ومؤسسة الأسرة

 تعدُّ الأسرة مؤسسة تربوية ومن أهم المؤسسات التربوية بالمجتمع، وذلك نظراً لأهمية دورها الاجتماعي التربوي الذي تمارسه مع أفرادها، وخصوصاً أنها أول المؤسسات التربوية التي تتعامل مع الفرد بعد ولادته، وتغرس لديه المعايير التي يحكم من خلالها على ما يتلقاه فيما بعد من سائر المؤسسات في المجتمع، والأم هي التي تضطلع بالقيام بالدور التنفيذي لهذه الأهداف داخل الأسرة خصوصاً في سنوات الطفولة الأولى والتي تعتبر أهم مرحلة في التربية دينياً وجسمياً وخلقياً، وفي تأديبه وتعويده أحسن العادات وأكرم الأخلاق.

 

 

وإذا كانت الأسرة تؤثر كجماعة أوليّة تأثيراً أساسياً في تكوين مثاليات الفرد ومعايير سلوكه ونظرته للصواب والخطأ، والخير والشر، كما تقوم بدور عريض وعميق في تكويين الخطوط الرئيسة لشخصيته؛ فإن الأم أيضاً هي التي تمتلك وتمد الطفل العوامل النفسية المختلفة التي لا بدّ منها لتكوين الفرد السوي كالحنان والعطف، والأمن والطمأنينة فإنها لازمة لنمو الطفل النفسي السليم، وهذا التكوين النفسي عند الطفل يحتاج إلى عاطفة الأم بدءاً من وجوده في قراره المكين، ثم وهو رضيع، وسواء كان جنيناً أو رضيعاً فهو يتغذى في أحشاء أمه أو في حضنها غذاءه المادي والمعنوي إلى جانب ذلك يكتسب انفعالاتها من رضا وغضب وفرح وحزن وحب وكره...ولا يمكن أن يعوضه أحد عن هذا الدور تحديداً في تلك المراحل المبكرة من حياته.

وبذلك لا تنفك الأم راعية لمؤسسة الأسرة بكل أعضائها، بالعطاء والتوجيه والسهر على حاجيات الأسرة الاقتصادية والاجتماعية، والتربوية، فهي بحق حائط الصدّ أمام التحديات الكثيرة .

الأم وإعادة بناء النهضة :

فهي المنوطة بتأسيس روح التديّن داخل البيت، فالطفل الذي ينشأ في أسرة متدينة سيتفاعل مع الجو الروحي الذي يشيع في أرجائها، وسوف تتكون لديه مع مرور الأيام حصانة إيمانية وفكرية، وستكون الأم هي المرجع والمصحح دائماً لما يرد عليه من مؤثرات خارجية، وإذا توطدت العلاقة بين الأم وأبنائها أصبحت راعية لصداقاتهم، وموجهة لاختياراتهم، بل تستطيع الأم الذكية أن توفر للأبناء مع أصدقائهم محضناً رائعاً يرتبطون به ولا ينفرون منه.

وفي مراحل متقدمة تكون الأم هي المعين – بعد الله تعالى – والمؤيد للأبناء في بناء أدوارهم الإصلاحية في الحياة، فهم جيل الغد الذين تقع على عاتقهم مسؤولية بناء مستقبل أفضل للأمة.

 

قانون الأم العظيمة:

إنّ عظمة الأم تكمن في القدرة التي حباها الله تعالى بها على تنشئة أشخاص عظماء مهما كانت ظروفهم قاسية وغير مواتية، وكم من الأئمة الأعلام ربّتهم أمهاتهم وكانوا هداة مهتدين يأتي على رأسهم:

أم الإمام أحمد بن حنبل:

إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد –رحمه الله- فكم قدمت له أمه من عناية ورعاية حتى أصبح إماما للدنيا ولها – إن شاء الله- مثل أجره.

هذه أم الإمام أحمد رحمهما الله تعالى، أي مشروع قدمته للأمة حينما ربت ابنها على طلب العلم حتى أصبح إمام أهل زمانه؟!!

لقد كانت تعتني به وتخرجه قبل صلاة الفجر لأداء الصلاة وليشهد مجالس الذكر لم يتجاوز السابعة من عمره!! فصنعت إنجازاً عظيماً بإيجاد عالم رباني ينفع الأمة بعلمه ومواقفه الخالدة .

الحافظ "ابن حجر العسقلاني" وأخته العظيمة:

من الأمثلة الرائعة والتي تثبت أن هذه المقدرة مرتكزة في نفس المرأة تتفجر من حناياها قدرات كبيرة على الرعاية والتنشئة حتى لو كانت في مركز بديل عن الأم داخل الأسرة، وبين يدينا مثال رائع لأحد علماء الإسلام المصريين هو "الحافظ ابن حجر العسقلاني"  رحمه الله، فقد ربّته أخته سِتّ الرَّكب بنت علي بن محمد بن حجر، قال ابن حجر عنها: (كانت قارئة كاتبة أعجوبة في الذكاء وهي أمي بعد أمي) .

 

ولا ننسى ما فعلت أم "أديسون" !

هذا المخترع الفذ الذي أنار العالم بالمصباح الكهربائي، كانت أمه هي صاحبة الفضل في احتوائه وتوجيهه ورعاية مواهبه وتنميتها..!

في مدينة ميلان بولاية أوهايو الأميركية، وفي سنة 1847م وُلِدَ توماس ألفا أديسون، ومن المفارقات العجيبة أنه أُخرج من المدرسة بعد ثلاثة شهور فقط من دخوله؛ حيث وجده ناظر المدرسة طفلاً بليدًا، ومتخلفًا عقليًّا ..!!

وهنا جاء دور أمه التي لم تغب عنها المشكلة، فقامت بسحب توماس من المدرسة، وواسته بكل ما تملك، وبدأت تعلمه بنفسها في البيت، وتنمي بداخله حب الدراسة، حتى كان أول مشروع له هو: "قراءة كل كتاب في البيت"، وكان ذلك المشروع هو بداية الطريق نحو التعليم الذاتي، وكان البيت يحوي مكتبة كبيرة في مختلف أنواع العلوم.

لم تملَّ أمه قط من تعليمه ودفعه للتعلم ومساعدته في ذلك، يقول أحد جيرانهم: "كنت أمر عدة مرات يوميًّا أمام منزل آل أديسون، وكثيرًا ما شاهدت الأم وابنها توماس جالسين في الحديقة أمام البيت"، فقد كانت تخصص بعض الوقت يوميًّا للتدريس للفتى الصغير وتعليمه.

وإن ذلك الصنيع لم يرحل عن ذاكرة أديسون يومًا ما؛ إذ تراه يقول عن أمه: "إنَّ أمي هي التي صنعتني؛ لأنها كانت تحترمني وتثق في، أشعرتني أني أهم شخص في الوجود، فأصبح وجودي ضروريًّا من أجلها، وعاهدت نفسي ألا أخذلها كما لم تخذلنِ قَطّ، ولولا إيمانها بي لما أصبحتُ مخترعًا أبدًا "..

 

 

وأخيراً..

ستظل المرأة هي العمود الفقري لمؤسسة الأسرة، وهي المعهود إليها بشكل كبير بالمحافظة عليه وحمايته من التيارات الوافدة، وحفظ هويته الإسلامية.

وكما قيل: وراء كل عظيم امرأة تربّى في حجرها..!


;