إضاءات في: "تقدير الذات"

إضاءات في: "تقدير الذات"

هل تحب ما تقع عليه عينك عندما تنظر في المرآة ؟ ..هل تحب صوتك عندما تتكلم ؟  

هل تشعر بأن لديك نفس ما عند الآخرين إذا ما قمت بالمقارنة بينك وبينهم؟ هل يمكنك تقبل الآخرين كما هم؟ هل بإمكانك التعامل مع مهام حياتك اليومية بغير الشعور بفقدان الأمل أو السأم؟ هل عندك فترة للاسترخاء أثناء مهام عملك اليومية؟

إذا كانت الإجابات على الأسئلة السابقة "نعم" فإن لديك شعورًا مرتفعًا بتقدير الذات.

عزيزي القاريء..

إنّ من نعم الله على العبد أن يهبه المقدرة على معرفة ذاته، والقدرة على وضعها في الموضع اللائق بها، إذ أن جهل الإنسان نفسه وعدم معرفته بقدراته يجعله يقيم ذاته تقيماً خاطئاً فإما أن يعطيها أكثر مما تستحق فيثقل كاهلها، وإما أن يزدري ذاته ويقلل من قيمتها فيسقط نفسه. فالشعور السيئ عن النفس له تأثير كبير في تدمير الإيجابيات التي يملكها الشخص، فالمشاعر والأحاسيس التي نملكها تجاه أنفسنا هي التي تكسبنا الشخصية القوية المتميزة أو تجعلنا سلبيين خاملين؛ إذ أن عطاءنا وإنتاجنا يتأثر سلباً وإيجاباً بتقديرنا لذواتنا، فبقدر ازدياد المشاعر الإيجابية التي تملكها تجاه نفسك بقدر ما تزداد ثقتك بنفسك، وبقدر ازدياد المشاعر السلبية التي تملكها تجاه نفسك بقدر ما تقل ثقتك بنفسك.

الناس ليسوا المصدر الصحيح لتقدير الذات..!

قد يتجه بعضنا إلى أن يستمد تقديره الذاتي من رأي الآخرين فيه، فيجعل قيمته الذاتية مرتبطة بوضعه الاجتماعي ونوعية عمله، أو بما لديه من مال، أو إكرام وحب الآخرين له، ويكون شديد التلهف لمعرفة رأي الناس بأعماله والمواقف التي يمر بها..!

وهذا الشخص وبدون أن يشعر إنما يضع نفسه على حافة هاوية خطيرة لإسقاط ذاته، حيث يجعلها مرتهنة برأي الآخرين فيه وتقييمهم له، فهو إذن – وتلك هي الكارثة – لا يملك معايير ثابتة يستطيع من خلالها أن يقيم نفسه، وهذا الأسلوب قد يبث في نفسه الضعف وتزعزع الثقة بالنفس؛ فغالباً يكون تقدير الناس غير دقيق للفرد.

وما هي تلك الثوابت في تقدير الذات..؟

"المسلم" إنسان لديه ثوابت عظيمة يقيس عليها نفسه ويقيس عليها الناس أيضاً، لذلك فهو ينطلق في حياته من هذه الثوابت وليس من آراء الآخرين.

"إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، إن الله يحب ...إن الله يبغض كذا....؛ فلا تغض من قدر نفسك أو تظن بها السوء وتعتقد أن ذلك من التقوى والإيمان.

وهو أيضاً دائم المحاسبة لنفسه، دائم اللوم لها على تقصيرها، تائباً منيباً إلى الله تعالى، مقوماً لنفسه في كل وقت، قال تعالى مادحاً من كانت هذه صفته:" لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ " – سورة القيامة:2،1 - 

إنّ حقيقة الاحترام والتقدير تنبع من داخل النفس؛ من معرفة الفرد بجوانب القوة فيه وما حباه الله تعالى من مواهب وقدرات، وكذلك ما يعاني منه من جوانب نقص أو سلبيات.

العلاقة بين تقدير الذات والنجاح :

هناك اتفاق بين الباحثين عن وجود علاقة بين تقدير الذات والنجاح، ولكن الاختلاف القائم هو عن طبيعة هذه العلاقة، فهل لابد أن يكون الشخص متفوق في تحصيله العلمي – مثلاً - لكي يكون لديه الإيجابية في تقدير ذاته؟ أو أن الثقة بالذات تسبق التفوق العلمي؟

والحقيقة أنها علاقة تبادلية، مع أنه لابد من الاعتراف بأن الاعتداد بالذات مطلب لكي يتم التفوق في الحقل العلمي أو العملي، وهذا التفوق بالتالي يؤدي إلى زيادة الثقة بالذات؛ فكل منهما يغذي الآخر.

ومن هنا يقسم علماء النفس التقدير الذاتي إلى قسمين: المكتسب والشامل:

ـ التقدير الذاتي المكتسب: هو التقدير الذاتي الذي يكتسبه الشخص خلال إنجازاته، فيحصل الرضى بقدر ما أدى من نجاحات، فهنا يتم بناء التقدير الذاتي للفرد بناءاً على ما يحصله من إنجازات.

ـ التقدير الذاتي الشامل: يعود إلى الحس العام للافتخار بالذات لدى الفرد، فهو ليس مبنياً على مهارة محددة أو إنجازات معينة، وذلك يفسر لنا أن كثيراً من الأشخاص الذين أخفقوا في حياتهم العملية لا يزالون ينعمون بدفء التقدير الذاتي العام، حتى وإن أغلق في وجوههم باب الاكتساب.

كما يؤكد علماء النفس أن هناك علاقة مباشرة بين التقدير الذاتي والنجاح الاجتماعي . وهذا النجاح يشمل الاعتداد في المظهر، والقدرة على تكوين علاقات اجتماعية جيدة. إذ يحتاج الشخص إلى قدر من القبول والاحترام الاجتماعي لتتكون لديه مشاعر إيجابية حول نفسه، ويرى نفسه بأنه ناجح في عيون الآخرين. كما أن تأثير العلاقات الاجتماعية الشخصية تتحدد بدرجة عالية بمقدرة الشخص على التسامح والاحترام، والانفتاح الذهني والتقبل للآخرين.

هل يتساوى الناس في تقديرهم لذواتهم..؟

بالطبع لا، الناس ليسوا جميعاً سواء في التمتع بمستوى مرتفع من تقدير الذات، وسواء كان تقدير الذات مرتفعًا أو منخفضًا فإنه لا يبقى على نفس الوتيرة طوال حياتنا؛ فالحياة كلها ما بين النجاح والفشل، فقد ينحسر تقدير الذات نتيجة لتغير الظروف المحيطة، ومن الممكن أن يتحسن تقدير الذات يومًا عن يوم إذا سار في الطريق الصحيح.

ويجدر بنا أن نلقي الضوء على أهم سمات الفريقين: من يحسنون تقدير ذواتهم، ومن يعانون من تدني تقدير الذات:

أولا: من يحسنون تقدير ذواتهم:

الأشخاص الواثقون من أنفسهم يكون لديهم تقدير جيد لذواتهم، وغالباً ما تجدهم سريعين في الاندماج والانتماء في أي مكان كانوا، فلديهم الكفائية، والشعور بقيمتهم الذاتية وقدرتهم على مواجهة التحدي، ولقد أظهرت الدراسات أن هؤلاء الأشخاص هم الأكثر قدرة على السيطرة على أنفسهم والتحكم في حياتهم، وهم الأكثر إنتاجية، والأكثر سعادة ورضى بحياتهم، وليس بالضرورة أن يعتقدوا أنهم الأفضل فهم ليسوا ملائكة وليسوا كاملين، ولا يملكون أداة سحرية لذلك؛ ولكنهم متفائلون وواقعيون مع أنفسهم، وأقوياء في مواجهة عثرات النفس.

ثانياً: من يعانون من تدني تقدير الذات:

تشير الدراسات أن قرابة 95% من الناس يشكون أو يقللون من قيمة ذواتهم، وعادة يستجيب هؤلاء الأشخاص إلى ظروف الحياة ومتغيراتها بإحدى طريقتين :

1- الشعور بالنقص والازدراء تجاه أنفسهم.

 2- الشعور بالغضب وإرادة الثأر من العالَم.

ويمكن ملاحظة أهم سماتهم، مثل:

- احتقار الذات أو عدم معرفة الإجابة عند حصول الإطراء والثناء.

- الشعور بالذنب دائماً، حتى ولو لم يكن هناك علاقة بالخطأ.

- الاعتذار المستمر عن كل شيء.

- الاعتقاد بعدم الاستحقاق لهذه المكانة أو العمل وإن كان الآخرين يرون ذلك.

- عدم الشعور بالكفاءة في دور الأبوة أو في دور الزوجية.

- يميلون إلى سحب أو تعديل رأيهم خوفاً من سخرية ورفض الآخرين.

- وأظهرت الدراسات أنهم يحملون أنفسهم على التميز الغير حقيقي؛ فتراهم يمشون ببطء مطأطئين رؤوسهم كما لو أنهم يبدون غرباء على العالم، يحاولون الانكماش على أنفسهم فلا يريدون أن يراهم أحد.

فكن مدركاً لقيمتك الحقيقية، ولا تهتز..!

عزيزي القاريء ..

بعد أن وقعت الهزيمة للمؤمنين في غزوة أحد، اشتد ذلك عليهم وحزنوا حزناً شديداً؛ فأنزل الله تعالى من القرآن ما يثبتهم به ويحثهم على مواصلة الطريق، ويذكرهم بقيمتهم العالية المستمدة من كوْنهم مؤمنين، قال تعالى:"ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين" – آل عمران:139-، جاء في تفسيرها: ( ولا تحزنوا ) فإنكم ( وأنتم الأعلون ) أي تكون لكم العاقبة بالنصرة والظفر ، ( إن كنتم مؤمنين ) يعني : إذ كنتم مؤمنين : أي : لأنكم مؤمنون ) – تفسير البغوي:سورة:آل عمران -

ثم تأمل هذه التجربة العملية، والتي أراد من خلالها أحد المعلمين الأجانب - وبذكاء -  أن يغرس في طلابه تقديراً إيجابياً لذواتهم، وألا يتأثروا أبداً إذا أساء الغير تقديرهم، تقول القصة:

(ﺭﻓﻊ ﺍﻟﺪﻛﺘﻮﺭ ﻟطلاﺑﻪ ﻭﺭﻗﺔ ﻣﻦ ﻓﺌﺔ 100ﺩﻭﻻﺭ, ﻭ ﺳﺄﻝ : ﻣﻦ ﻳﺮﻳﺪها ؟، ﻓـﺭﻓﻊ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ ﺃﻳاﺩﻳﻬﻢ

ﺛﻢ ﻛﺮﻣﺸﻬا ﺑﻘﻮﺓ ﺑﻴﺪﻳﻪ ﻭﻋاﺩ ﻳﻘﻮﻝ : ﻣﻦ ﻳﺮﻳﺪﻫا ﺍﻵﻥ ؟ ﻓﺮﻓﻊ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ ﺃﻳاﺩﻳﻬﻢ !

ﺛﻢ ﺭﻣاﻫا ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺭﺽ ﻭﺻاﺭ ﻳﺴﺤﻘﻬا ﺑﺤﺬاﺋﻪ ﺣﺘﻰ اﺗﺴﺨﺖ ﺗﻤاﻣﺎ !

ﻭ ﺳﺄﻝ : ﻣﻦ ﻳﺮﻳﺪﻫا ﺍﻵﻥ ؟ ﻓﺮﻓﻊ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ ﺃﻳاﺩﻳﻬﻢ !

ﻓﻘاﻝ ﻟﻬﻢ: ﻫﺬا ﻫﻮ ﺩﺭﺳﻜﻢ ﺍﻟﻴﻮﻡ، ﻣﻬﻤا ﺣاﻭﻟﺖ ﺗﻐﻴﻴﺮ ﻫﻴﺌﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻮﺭقة ﺗﺒﻘﻰ ﻗﻴﻤﺘها ﻟﻢ ﺗﺘﺄﺛﺮ . .

ﻣﻬﻤا ﺗﻌﺮﺿﺖ ﻟﻠﺘﺤﻘﻴِﺮ، أﻭ ﺍﻟﺘﻌﺜّﺮ، - ﻳﺠﺐ ؛ ﺃﻥ ﺗﺆﻣﻦ ﺃﻥ ﻗﻴﻤَﺘﻚ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻟﻢ ﺗُﻤَﺲ !!

أخيراً..

إذا كان البعض يعاني من انخفاض تقدير الذات، فبإمكاننا بذل الجهد لتحسين هذا الوضع، كما يمكننا النهوض بذواتنا فعلاً، والحفاظ على مستوى جيد من أدائنا في الأعمال والعلاقات والقيم، فكل ما نحتاج إليه هو المزيد من المعرفة باتجاهاتنا وسلوكياتنا، وبذل الجهد المستمر لتحقيق شيء من التقدم في مجالات الحياة...فقط تذكر أنك "المسلم"..!


;