معالم في بناء الشخصية القوية

معالم في بناء الشخصية القوية

لماذا نهتم بالحديث عن تنمية الشخصية وقوتها .. ؟

لا يمكن أن يستمر تقدم الإنسان على مستوى جسده بقوة واحدة بالتوازي مع تقدمه في العمر، كما لا يمكن أن تستمر كثير من المواد الخام كما هي، لأنها أشياء مستنفذة ..فالإنسان لا يمكن أن يعيش إلى الأبد وجسمه في تحسن دائم .

في حين أن التقدم في المجال العقلي والروحي والنفسي والخلقي والاجتماعي ..هو تقدم مفتوح وليس هناك أسوار أو حدود لإيقاف تقدمنا على الصعيد الروحي والعقلي والاجتماعي، ولذلك حين نركز على تنمية الشخصية فإننا نركز على حقل هائل قابل للتنمية وللتجدد وللاستمرار إلى ما شاء الله ..

ومن ناحية أخرى فإن تنمية الشخصية أمرٌ لا يحتاج منا إلى كثير مالٍ أو أدوات أو تقنيات غالباً، ولذلك يعتبر علماء النفس والاجتماع والمختصين بدراسة النفس الإنسانية تنمية الإنسان لشخصيته فرصة سانحة أمام الذين لا يملكون المال كالفقراء والمعدمين في حين أن كثيراً من أشكال التنمية الأخرى تحتاج إلى المال والأدوات والوسائل بل ..وإلى بيئات معينة وأشياء متعددة أخرى ..

الشخصية القوية ..هي الشخصية النامية ..!!

يعرف علماء النفس الشخصية القوية بأنها الشخصية التي تستمر في النمو والتطور، فصاحب العقلية المتحجرة .. «ضعيف الشخصية » ، ومن لا يستفيد من وقته وصحته وإمكانياته أو لا يستطيع أن يعدل من سلوكه ويقلع عن أخطائه .. فلا شك أنه «ضعيف الشخصية ».

وقوة الشخصية تعني أيضا القدرة على الاختيار السليم، والتمييز بين الخير والشر، والصواب والخطأ، وإدراك الواقع الحاضر، وتوقع المستقبل .. فالنمو والتطوير شرطان أساسيان لكي تكون شخصيتك قوية ومثمرة في نفس الوقت . وموقف الشخصية القوية التي تجيد فن التعامل مع الناس ليس موقف من يستعرض عضلاته، مع حماس زائد وانفعال لا ضرورة له، فارتفاع الصوت في النقاش مثلا ليس دليلا على صحة القول .. إن الشخصية القوية والتي تجيد فن التعامل مع الآخرين تتسم بالهدوء وعدم الاكتراث بالمناقشات الصاخبة، وعدم فرض عقليتها على غيرها، فالثقة بالنفس والحجة القوية لا تحتاجان لإلزام أو انفعال أو صراخ .

تأثير الوراثة والبيئة على نمو الشخصية :

والوراثة ركن أساسي في تكوين الشخصية، ولاشك أن هناك من يولد أقوي شخصية من غيره، فكما يرث أحدنا الصفات الجسدية لآبائه وأمهاته كلون بشرته وتقاسيم وجهه، كذلك فإنه يرث صفاتهم النفسية بنسب معينة، ولكن ذلك لا يعني أن من لم يرث قوة الشخصية من آبائه فإنه لا يمكنه اكتسابها ... فالصفات التي نرثها ليست كلها من النوع الذي لا يمكن تبديله أوتغييره، ولا من النوع الذي لا يمكن الإضافة إليه بشكل أو بآخر، فظروف الحياة والتجارب التي يمر بها الإنسان وتصميمه وتحديه، كلها تشكل عوامل تساعده في اكتساب الصفات التي يرغب فيها في ذاته لتدعم شخصيته وهو ما يسمى ب (التربية الذاتية ).

وفي السنة النبوية يقرر الإسلام أن الإنسان مفطور على جملة من الأمور التي هي استعدادات يولد الإنسان مزوداً بها دون أن يكتسبها من البيئة،               

وقد بينت السنة الشريفة التفاوت الفطري في الطبائع الخلقية، قال رسول صلى الله عليه وسلم : "إن بني آدم خلقوا من طبقات شتى، ألا وإن منهم البطيء الغضب سريع الفيء . .. ألا وخيرهم بطيء الغضب سريع الفيء، وشرهم سريع الغضب بطيء ا لفيء " ، وقوله صلى الله عليه وسلم :"الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ....". فالحديث الشريف أشار إلى أن التكوين الفطري يرافق الإنسان، ويصاحبه في كل أحواله، فالناس بينهم فروق كبيرة، فكما توجد فروق في المعادن، توجد فروق بين الناس، وكل شخص يختلف عن الآخر بمقدار ما فيه من استعدادات، وخصائص كامنة، والبيئة هي التي تؤثر في هذه الاستعدادات .

كما أن الإسلام يقرر عدم خضوع السلوك الإنساني العقلي، والنفسي، والأخلاقي عموماً للوراثة، فالسلوك هو ثمرة، ونتيجة الفهم الواعي، والعقل الراجح، كما قرر من القرآن الكريم انعدام أثر الوراثة المطلق في السلوك، كما ورد في قصة ولدي آدم ونوح عليهما السلام. (عماد عبد الله محمد الشريفين : أثر الوراثة والبيئة في بناء الشخصية بتصرف )

أهمية القناعة بالتغيير للأفضل

يظن كثير من الناس أن وضعه الحالي جيد ومقبول، أو أنه ليس الأسوأ على كل حال، وذلك آفة النظر إلى الفاشلين والمقارنة بالمهمّشين، والبعض الآخر يعتقد أن ظروفه سيئة وإمكانياته محدودة، ولذلك فإن ما هو فيه لا يمكن تغييره !! وهذا نوع ممقوت من جلد الذات الذي يورث القنوط واليأس واهتزاز رؤيته لإيجابياته وإمكاناته الذاتية .

وهذه القناعات السلبية من أهم ما يعوق تنمية الشخصية وتطويرها ...ولذلك نذكر مثالاً لبعض

القناعات التي تسبب لنا القوة والقناعات الأخرى التي تسبِّب لنا الضعف :

فمن القناعات التي تسبِّبُ لنا القوة :

- لم أستخدم بعدُ كل إمكاناتي، ولم أستثمر كل طاقاتي الكامنة .

- ما من حالة ولا وضعية إلا وهي درجة من التحسين .

- من خلال المثابرة في العمل أستدرك على ما يكون لديّ من نقص .

- العلاقات الحسنة مع الناس باب من أبواب الرزق .

- في سعة فضل اللهتعالى - ما يكفي الجميع، ولذلك فلا داعي للحسد .

- ما أكتسبه من معارف وخبرات أهم مما ورثته عن آبائي من إمكانات .

- ما عند اللهتعالى - يُنال بطاعته، وليس بمعصيته .

- ما يُغلق باب إلا ويُفتح باب آخر .

ومن القناعات التي تسبب الضعف :

- لست مؤهّلاً لاحتلال مناصب قيادية .

- لا فائدة من كثرة المحاولة مع معظم المشكلات التي تواجهني .

- الذين حولي يكرهونني من غير سبب واضح .

- العمل مع الناس متعب والأفضل الاستقلالية .

- أنا لا أفهم إلا في المجال الفلاني، ومن الصعب تعلّم شيء في غيره .

- لم يبق في العمر ما يستحق البدء بمشروع جديد .

- عمق الشعور بالمسؤولية

قال تعالى :" إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا " – الأحزاب :72 - حين يشعر الإنسان بجسامة الأمانة المنوطة به، تتفتح له آفاق لا حدود لها للمبادرة للقيام بجزء من هذه المسئولية، كما يربي القرآن قارئه على أن المرء يجب أن يضع نصب عينيه اللحظة التي سيقف فيها بين يدي الله - عز وجل - فيسأله عما كان منه ..وذلك بعبارة غاية في الوضوح والقوة، قال تعالى :" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ " – الحشر :19 ، 18 -

إنّ التقزّم الذي نراه اليوم في    كثير من الناس ما هو إلا وليد تبلد الإحساس بالمسؤولية والركون إلى الدعة والكسل الذي يسبب انهيار النفس أمام الصعاب ولو صغرت .

- الإرادة الصلبة والعزيمة القوية

يقول د .عبد الكريم بكار :في اعتقادي أن (الإرادة ) هي القوة الضاربة التي وهبها الخالقعز وجل - لبني البشر، وإن من شكر هذه النعمة العملَ على تصليبها، وتقويتها، ورفع مستوى العزيمة في خططنا وأعمالنا .

ومن المعروف أنه لا يمكن إنجاز أي عمل إلا بتوافر شيئين : الإرادة والقدرة، وإذا تساءلناأيهما أعظم أهمية؟ فإنني لا أتردد في القول : إن الإرادة هي الأهم، وهي شرط لكل تغيير، بل وشرط لكل ثبات واستقامة، ولو أننا تأملنا في الإنجازات الحضارية الكبرى - لدى كل الأمم، وفي كل العصور - لوجدنا أنها مدينة للعزيمة والإصرار، ولا يغني عنهما علم ولا موهبة، والعالم مملوء بالموهوبين الفاشلين والمتعلمين العاطلين عن العمل !. (د .عبد الكريم بكار :تنمية الشخصية،ص :11 بتصرف )

- المجاهدة الحازمة للنفس :

يحتاج الواحد منا إلى أن يُثْبِتَ نفسَه أمام نفسه، وذلك بحرمانها من بعض الأشياء، وبعدم الاستجابة لبعض وساوسها وخواطرها، فإذا حدثته نفسه بأن يترك العمل الذي بين يديه حتى يشرب كأساً من الشاي؛ فليرفض طلبها، أو ليقم بتأجيل تنفيذه ساعة . وإذا كان يجد نوعاً من المتعة في القراءة وهو مستلقٍ على السرير؛ فليحرمها من تلك المتعة، وليجلس خلف مكتب، وليمسك بقلم وهو يقرأ من أجل تلخيص بعض الأفكار ...

إن مخالفة النفس تُشعر صاحبها بالقوة، وتجعل منجزاته ومكتسباته أكبر، وهذا ما يجعله يشعر بفوائد المجاهدة .

قال الشيخ السعدي - رحمه الله - : " فإن النفس ميالة إلى الكسل عن الخيرات،أمارة بالسوء،سريعة التأثر عند المصائب، وتحتاج إلى صبر وجهاد في إلزامها طاعة الله، وثباتها عليها، ومجاهدتها عن معاصي الله، وردعها عنها، وجهادها على الصبر عند المصائب، وهذه هي الطاعات :امتثال المأمور ، واجتناب المحظور، والصبر على المقدور، فالمجاهد حقيقة :من جاهدها على هذه الأمور لتقوم بواجبها ووظيفتها ". - بهجة قلوب  الأبرار (ص 21)-

;