التقصير في العمل.. خيانة للأمانة

التقصير في العمل.. خيانة للأمانة

 بقلم: بسيوني الحلواني

لم يعد الهروب من أداء الواجبات الوظيفية والتقصير فيها ظاهرة تقتصر على مجتمع عربي دون الآخر.. بل هناك إحصاءات عربية تؤكد تدني إنتاجية الموظف العام في العديد من الدول العربية بل وهروبه من عمله تحت مبررات ساذجة أحياناً، ودون وجود ما يبرر ذلك في معظم الأحيان.

كانت دراسة مصرية حديثة قد رصدت وسائل تهرب بعض الموظفين في المؤسسات الحكومية من العمل وإهدار وقته بوسائل متعددة، حيث كشفت قيام 29% من الموظفين في 3 وزارات بـالتسرب من العمل بعد التوقيع بالحضور مباشرة.. وتحايل بعض الموظفين للتهرب من العمل المنوط بهم بوسائل متنوعة؛ من بينها التمارض، ومهام العمل الخارجية الوهمية، وتوقيع الموظفين بالحضور والانصراف لبعضهم البعض... كما كشفت دراسة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة أن متوسط عمل الموظف المصري نصف ساعة من إجمالي 7 ساعات، ومع ذلك يحصل 95% من الموظفين على تقدير (امتياز) في تقاريرهم السرية، كما أن 37% من الموظفين يكرهون أماكن عملهم ويذهبون إليها مكرَهين.. بينما أشارت دراسات أجريت في كل من تونس والعراق والسودان أن متوسط إنتاجية الموظف الحكومي تتراوح ما بين 18 و45 دقيقة يومياً.

وعند فتح ملف إهمال الموظفين الحكوميين لمهامهم الوظيفية على عدد من الخبراء وأساتذة الاقتصاد والموارد البشرية وعلماء الشريعة الإسلامية، بهدف الوقوف على أسبابه وتداعياته الاقتصادية الخطيرة.. وكيفية علاجه، وهنا خلاصة ما نصحوا به ووجهوا إليه..

غياب الثواب والعقاب

  في البداية يؤكد خبير الاجتماع الدكتور محمد نبيل السمالوطي، أن تسرب الموظف الحكومي من عمله والتفنن في إهدار وقت العمل، والهروب من الواجبات الوظيفية، أصبح ظاهرة عامة في العديد من الدول العربية، خاصة تلك التي تضعف فيها الرقابة ويختفي فيها أو يتلاشى مبدأ الثواب والعقاب، وعجز رؤساء العمل عن توقيع عقوبات رادعة على الموظفين المتغيبين عن أعمالهم أو المهملين لواجباتهم الوظيفية في ظل لوائح وقوانين عمل تغل يد المسؤول عن توقيع عقاب رادع.

ويضيف قائلاً: عندما يضاف كل هذا إلى غياب الضمير وعدم الشعور بالمسؤولية يصبح الأمر كارثياً، حيث تتلاحق الخسائر الناتجة عن ذلك، لأن رواتب الموظفين في الأجهزة الحكومية تشكل عبئاً كبيراً على موازنة أي دولة، سواء أكانت مستقرة اقتصادياً ومالياً أم تعاني من مشكلات، كما هو حال بعض الحكومات العربية التي تنفق المليارات سنوياً على رواتب موظفيها دون أن يكون هناك المردود الاقتصادي والتنموي المنتظر منهم.

ويؤكد الدكتور السمالوطي أن غياب «ثقافة احترام العمل» وراء ما تعاني منه كثير من المؤسسات الحكومية التي تعاني من تسرب موظفيها أو تغيبهم عن العمل أو عدم قيامهم بما هو منوط بهم من واجبات وظيفية.. وهذه الثقافة تفرضها التربية منذ الصغر على احترام الواجبات والمهام كما تفرضها القوانين واللوائح المنظمة للعمل والتي تكافئ المُجِد وتحاسب المهمل وتطبق مبدأ الثواب والعقاب.

ويرفض الدكتور السمالوطي مبررات الأطباء الذين يهملون في واجباتهم الإنسانية والوظيفية استناداً إلى أن رواتبهم ضعيفة ولا تفي بمطالبهم المعيشية، ويقول: هذا خلط للأوراق، فمن قبل تأدية عمل ووقع عقداً بذلك عليه أن يحترم بنود هذا العقد، فالعقد شريعة المتعاقدين، ولم يجبر أحد الطبيب المبتدئ في قبول وظيفة في مستشفى حكومي لكي يتهرب بعد ذلك من واجباته وهي واجبات إنسانية قبل أن تكون واجبات وظيفية، وهو مطالب، بحكم المبادئ والضوابط المنظمة لمهنته، القيام بها على الوجه الأكمل قبل أن يفكر في عمله الخاص.

وينتهي الدكتور السمالوطي إلى ضرورة تنمية ثقافة احترام وقت العمل التي لم تعد موجودة عند كثير من الموظفين، خاصة الذين يعملون في مؤسسات حكومية تضعف فيها وسائل المحاسبة والمراقبة وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب.

تداعيات اقتصادية خطيرة

   الدكتور محمد عبد الحليم عمر، أستاذ المحاسبة والاقتصاد الإسلامي بعدد من الجامعات العربية، يؤكد أن ظاهرة تهرب موظفي الحكومة من أداء واجباتهم الوظيفية تتزايد في الدول التي تختفي فيها العقوبات الرادعة لمن يفعل ذلك، وقد تزايدت هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة في الدول التي عانت من عدم استقرار سياسي وإداري، وهي عديدة في منطقتنا العربية.

ويضيف قائلاً: في ظل غياب اللوائح المنظمة للعمل العام، وعدم وجود عقوبات رادعة لمن يتهرب من واجباته الوظيفية من الطبيعي أن يحدث ذلك، وقد حدث وتوقف عمال عدد من المصانع عن العمل في بلد عربي لمدة تقترب من الشهر عمداً بسبب بعض المطالب التي يطالبون بتحقيقها، وكانت خسائر ذلك عشرات الملايين التي لحقت بهذه المصانع، ومع ذلك عاد العمل بعد فترة دون توقيع عقوبة واحدة على من قاموا بتعطيل العمل عمداً، وهذا بالطبع يشجع عمالاً آخرين على تقليدهم، والسير على نهجهم، مما يؤدى إلى إهدار مال عام يضاعف من الخسائر الاقتصادية لهذه الشركات أو المؤسسات.

ويؤكد الدكتور عمر على ضرورة الاهتمام بإنتاجية العامل وليس وقت العمل لأن كثيراً من الموظفين يتفننون في إضاعة وقت العمل في مصالح شخصية أو سلوكيات وعادات تهدر ساعات العمل فيما ليس مفيداً.. ويقول: الإسلام يحثنا على إتقان العمل، والإتقان يعني الجودة وزيادة الإنتاجية لتحقيق المكاسب، فالعمل لن يستفيد شيئاً من موظف يجلس عالة على جهة عمله وقد يكون في جلوسه خسارة لجهة العمل، حيث يستهلك مستلزمات عمل دون فائدة ويعطل الآخرين من زملائه، ولذلك علينا أن نهتم بجودة العمل أكثر من اهتمامنا بساعات العمل.

ويطالب الدكتور عمر بوضع حوافز لمن يعمل بكفاءة حتى يجد العامل ثمرة عطائه وإخلاصه في عمله، فلا ينبغي أن يتساوى في النهاية الذين يعملون والذين لا يعملون، وإذا لم تكن لدى جهة العمل ما تعطيه لمن يجتهد في عمله، فلديها ما تعاقب به العامل المهمل المقصر في أداء واجباته والذي يؤدي عمله بشكل روتينيى دون عطاء حقيقي، مشيراً إلى مشكلة تكدس الموظفين في الأجهزة الحكومية دون حاجة نتيجة سياسات خاطئة اتبعتها بعض الحكومات العربية، مما أدى إلى وجود عمالة زائدة في كافة القطاعات، وهذا التكدس سبب مباشر في ضعف إنتاجية العامل عموماً، وهذه السياسات الخاطئة تحتاج إلى تصحيح في إطار الإصلاحات الاقتصادية التي تسعى إليها بعض الدول العربية، وهناك مطالب لا تتوقف من صندوق النقد الدولي – على سبيل المثال – بالتخلص من عدد ليس بالقليل من العاملين في الجهاز الحكومي كخطوة للإصلاح الاقتصادي وهو ما سيؤدي في حالة تطبيقه إلى مشكلات اقتصادية واجتماعية لكثير من الأسر.

ويؤكد الدكتور عمر أن ظاهرة تسرب الموظفين من أعمالهم لها تداعيات اقتصادية خطيرة، ويقول: رغم عدم وجود دراسات دقيقة توضح حجم الخسائر الناجمة عن هذه الظاهرة، إلا أن هناك مؤشرات اقتصادية لحجم الخسائر الناجمة عن ذلك؛ حيث تهدر المليارات سنوياً في الدول العربية بسبب ذلك بسبب قلة إنتاجية العامل أو الموظف العام بنسب تتراوح ما بين 25 و75% وهي خسائر كبيرة تؤثر على نسب النمو وتعوق خطط وبرامج التنمية في العديد من الدول العربية.

مشكلة كبرى

   الدكتور ناصر القحطاني، المدير العام للمنظمة العربية للتنمية الإدارية بالقاهرة، يتفق مع الدكتور محمد عبد الحليم في وجود تداعيات اقتصادية خطيرة لظاهرة التسرب من الأعمال الحكومية وإهمال الإنتاجية، ويؤكد أن الدراسات تشير إلى أن متوسط عمل الموظف العربي عشرون دقيقة يومياً، وهذه مصيبة كبرى وأمر يدعو للخجل، فالعمل في نظر ديننا واجب شرعي قبل أن يكون التزاماً وظيفياً، وهو عبادة وقربى إلى الله، ويجب على كل من يعمل في وظيفية – حكومية أو خاصة – أن يؤدي عمله وفق ما حث عليه دينه وما تحدده واجبات وظيفته.

ويؤكد الدكتور القحطاني أن ثقافة احترام العمل في مجتمعاتنا العربية متدنية للغاية؛ حيث توجد نسبة لا تقل عن 40% من العاملين لديهم الاستعداد للتهرب من الواجبات الوظيفية لو وجدوا الحيلة أو الوسيلة لذلك.

ويشير الدكتور القحطاني إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في الهروب من العمل وعدم أداء الواجبات الوظيفية بالشكل المطلوب.. لكن المشكلة الحقيقية تتمثل في عدم رغبة كثير من العاملين في اكتساب معارف ومهارات جديدة ترفع من مستوى كفاءتهم وتضيف إلى أعمالهم.. ويقول: بالتأكيد هناك معارف وخبرات جديدة ينبغي على الموظف أن يكتسبها ليؤدي عمله وفق المنظومة الحديثة؛ فمن كان يؤدي عمله من خلال سجلات ورقية لم يعد لها وجود الآن في كثير من الدول العربية عليه أن يتعلم الخبرات المطلوبة لأداء عمله من خلال الحاسب الآلي والوسائل الحديثة، فالعالم يتطور وينبغي أن تواكب المجتمعات العربية ما يحدث في العالم من تطورات وإلا سنتخلف أكثر مما نحن عليه الآن.

ويؤكد المدير العام للمنظمة العربية للتنمية الإدارية أن العالم يشهد ثورة حقيقية في مجال الإدارة وأداء الأعمال، وهذه الصورة ستؤثر حتماً على مجتمعاتنا، وكلما توسعنا في استخدام التكنولوجيا كلما تم الاستغناء عن العمالة البشرية، فالوسائل والأدوات الحديثة ستلحق بطالة حقيقية في مجتمعاتنا العربية ولن يجد فرصة عمل إلا من يملك أدوات العصر ويستطيع أن يؤدي عمله وفق الوسائل التكنولوجية.

لذلك يؤكد الدكتور القحطاني على ضرورة التدريب والتأهيل المستمر للعناصر البشرية مع التركيز على الشباب، فهو الأكثر استعداداً لاكتساب خبرات ومهارات العمل الحديثة، ومن لم يستجب سينضم حتماً إلى طوابير العاطلين الطويلة في بلادنا العربية.

وهنا يؤكد الدكتور ناصر القحطاني ضرورة الارتقاء ببرامج التعليم في الجامعات التي تعد متطلبات سوق العمل من العناصر البشرية في مختلف التخصصات، ويؤكد أن المناهج النظرية التي يحفظها الطالب ويفرغها في كراسات الإجابة عند الامتحان وينساها بعد ذلك لم تعد مناسبة الآن للتعليم الحديث الذي يعتمد على إكساب الطلاب الخبرات والمهارات اللازمة للعمل خلال فترة الدراسة وربط الطلاب بمواقع العمل الحقيقية من أجل إكسابهم مهارات العمل خلال فترة التعلم لكي يجد فرصة عمل حقيقية عند التخرج.

ضمائر ماتت

   الدكتور سيف قزامل، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، يرى أن هروب الموظف وإهماله لواجباته الوظيفية تجسد «موت الضمير» لدى كثير من الموظفين الذين يستحلون الحرام.. ويقول: للأسف هذه الظاهرة لا توجد إلا في المجتمعات العربية حيث يستحل الإنسان لنفسه أن يأكل الحرام ويتكسب من عمل وجهد وكفاح غيره أو يكون عالة على خزينة الدولة المثقلة أصلاً بالأعباء.

ويضيف: الموظف العام الذي يؤدي عملاً هو مؤتمن عليه ومطالب شرعاً وقانوناً أن يؤدي هذا العمل وفق القواعد والضوابط المنظمة له فعليه أن يكون موجوداً في مكان عمله خلال الساعات المحددة لهذا العمل، وعليه أن يعمل بكل جهده عملاً جيداً بإخلاص وفق مهاراته وكفاءته المهنية والتي على أساسها تم تكليفه بهذا العمل، وأن يحقق مستوى الإنتاجية المطلوب منه.. وكل من يحقق ذلك فهو يؤدي واجبه المنوط به ويحصل على مقابل ذلك راتباً وحوافز الإنتاج المقررة.. ومن يقصر في هذه الواجبات ويتهرب من عمله، أو يتسرب قبل انتهاء دوامه الرسمي، أو يتواجد في مكان العمل ولا يؤدي العمل المطلوب منه فهو مقصر في نظر قوانين العمل وخائن للأمانة في نظر الشريعة الإسلامية، ومن الواجب محاسبة هذه النوعية من الموظفين حتى لا تنتشر السلبية واللامبالاة بين العاملين وحتى يكون هناك فارق بين الذين يعملون والذين لا يعملون.

لذلك يدين أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر سلوك كل موظف لا يراعي الله في عمله فيتهرب من مسؤولياته، أو يعطل مصالح الذين يتعاملون معه دون وجه حق.. ويؤكد أن هذا السلوك دليل واضح على ضعف الوازع الديني، ذلك أن احترام العمل وإعطائه حقه من الوقت والجهد واجب على كل مسلم، فالراتب الذي يحصل عليه الموظف ليس حقاً مكتسباً، بل هو مقابل وقت وجهد، والإنسان الملتزم ديناً وخلقاً يعطي كل ذي حق حقه ولا يقبل بأن يهدر وقت العمل في نوم أو قضاء مصلحة خاصة، أو التقاعس عن أداء الواجبات المنوطة به، ثم إن المؤمن أعمق الناس إحساساً بقيمة الوقت، والله سبحانه سيسأله يوم الحساب عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟

ويؤكد الدكتور قزامل أن إهمال العمل في مجتمعاتنا العربية هو السبب الأول في المشكلات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها.. ويقول: لن تتقدم مجتمعاتنا إلا إذا أدى كل إنسان عمله بأمانة وإخلاص وراعى الله فيما يعمله، ومن المؤسف أن الذين لا يؤمنون بدين يحث على العمل ويعتبره قربى إلى الله مثل الإسلام يعملون ويؤدون عملهم بكفاءة وإخلاص أكثر من بعض من ينتسبون إلى الإسلام، لذلك يعد من يهمل في عمله ويتهرب من مسؤولياته الوظيفية عاصيا لله ورسوله.

ويطالب الدكتور قزامل بمعاقبة هؤلاء الذين يتهربون من أداء أعمالهم الوظيفية ويتفننون في الهروب من واجباتهم، خاصة إذا ما كانوا يعملون في مؤسسات حكومية لا تطبق عقوبات رادعة .. ويقول: يجب تطهير كل مؤسسات الدولة – أي دولة – من هؤلاء المتقاعسين الذين يستحلون أكل الحرام وإطعام أسرهم والإنفاق على أبنائهم من مال حرام، فكل مال يحصل عليه الإنسان دون عمل مفيد فهو سحت حتى ولو كان راتباً مقرراً وثابتاً ومحصناً بالقوانين.

عشوائية وسلبية

   وهنا يتدخل الدكتور محمود حمدي زقزوق، مؤكداً أن هذا السلوك المعيب الشائع بين الموظفين في العديد من الدول العربية عائد إلى غياب النظام والعشوائية والسلبية السائدة في حياتنا، ويقول: للأسف في ظل عدم احترام الوقت أصبحت حياتنا خليطاً عجيباً من الفوضى والاضطراب، وهذه الفوضى السلوكية تعني فقدان النظام وتعني التخلف والانفلات من كل القيم الدافعة إلى التقدم والنهضة والارتقاء بالحياة، وفي ظل غياب النظام والانضباط يسود الارتجال والعشوائية والتخبط، ويؤدي ذلك إلى اختلال الموازين في المجتمع وضياع الحدود بين الحقوق والواجبات وبين ما يجوز وما لا يجوز .

ويرى الدكتور زقزوق أن الهروب من العمل وعدم إعطائه حقه من الوقت والجهد، مخالفة شرعية فضلاً عن أنه إخلال بعقد العمل، وهذه المخالفة الشرعية والقانونية تستوجب عقاباً رادعاً حتى لا تشيع الفوضى والتملص من الواجبات الوظيفية بين الموظفين.

 ثقافة اهدار الوقت

وعن إهدار وقت العمل فيما لا يفيد يؤكد الدكتور زقزوق أن هذا السلوك المعيب والذي يأثم فاعله شرعاً يأتي في الغالب نتيجة غياب مبدأ الثواب والعقاب وعدم وجود لوائح تشجع وتكافئ من يعمل بكفاءة، وفي بعض أماكن العمل تحدث أخطاء نتيجة العمل، وهذا أمر طبيعي، ومعاقبة العامل أو الموظف عليها باستمرار تؤدي إلى انصرافه وانصراف آخرين عن العمل، فمن يعمل أكثر يخطئ أكثر ويعاقب أكثر بينما من لا يعمل لا تطوله يد العقاب.. وهذا خلل كبير يؤدي إلى تقاعس كثير من العمال والموظفين عن العمل والإنتاج ليريحوا أنفسهم من العقوبات المتكررة التي توقع عليهم.

 آفة أخرى

ويشير الدكتور زقزوق إلى أمر آخر يمثل مظهراً سلبياً لكثير من الموظفين وهو التأخر في الذهاب إلى العمل واختلاق مبررات وحيل لتجنب توقيع جزاءات عليه، ويقول: هذه الظاهرة للأسف شائعة في بعض المجتمعات العربية، وهي تأتي نتيجة ثقافة شائعة عموماً بعيداً عن العمل الحكومي، حيث نرى صوراً صارخة من الفوضى وعدم احترام قيمة الوقت لدى البعض، وبعيداً عن الأمثلة الصارخة في هذا الصدد نود أن نشير هنا إلى مثال واحد فقط لما اعتاد عليه غالبية الناس من تحديد للمواعيد التي يعطيها كل منهم للآخر لإنجاز أعمال معينة أو مصالح مشتركة أو غير ذلك من أمور حياتية، فالبعض يحدد موعداً في ساعة معينة، ولكنه غالباً لا يلتزم بالموعد المحدد، فقد يأتي بعد الموعد بساعة أو بساعتين أو أكثر، وقد لا يأتي، ولا يهمه بعد ذلك ما يسببه هذا التصرف للطرف الآخر من متاعب نفسية وأضرار مادية .

مسؤولية العلماء والدعاة

   الداعية الشيخ سعد الفقي، وكيل وزارة الأوقاف المصرية، يؤكد مسؤولية الدعاة وخطباء المساجد وكل مؤسسات الإعلام والتوجيه الثقافي في المجتمعات العربية عن مواجهة هذا السلوك المعيب الذي تعود عليه كثير من الناس ويتسبب في خسائر كثيرة للأفراد والمؤسسات.. ويؤكد رفض الإسلام لهذه السلوكيات الخاطئة بين المسلمين، مشيراً إلى أن العمل في الإسلام عبادة وقربى إلى الله قبل أن يكون وظيفة، وكل مسلم مطالب شرعاً بأن يؤدي عباداته الدينية وواجباته الاجتماعية بكل حرص وإتقان، حتى يرضي ربه أولاً قبل أن يجني ثمرة حرصه والتزامه بالوقت والجهد اللازم للعمل... وهذا ما ينبغي أن يؤكده الدعاة وخطباء المساجد للجماهير في كل مكان وما ينبغي أن تعمل على ترسيخه مناهج التربية الدينية والوطنية في المدارس وتركز عليه وسائل الإعلام المختلفة في برامجها وما تقدمه لجماهيرها من مواد درامية، حيث لا ينبغي أن يظهر الإنسان الفوضوي المستهتر بالوقت الذي يتهرب من واجباته في صورة بطولية أو صورة محببة للصغار لأنه في النهاية سيكون قدوة سيئة لهم جميعاً.

ويؤكد الشيخ الفقي أن الإسلام ربانا على احترام العمل والحرص على عدم إهدار الوقت في ما لا يفيد، وما أكثر النصوص القرآنية والتوجيهات النبوية الكريمة التي تحث المسلم على الاستفادة من كل دقيقة من حياته، واستثمار الوقت في كل عمل مفيد له ولأسرته ولمجتمعه.. ومن بين هذه التوجيهات الكريمة قوله صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» رواه البخاري. وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: «اغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» أخرجه ابن أبي الدنيا بإسناد حسن.

هذه الإرشادات والتوجيهات النبوية الكريمة تؤكد ضرورة أن يكون للوقت قيمته في حياة المسلم، فلا يتكاسل عن عمل واجب عليه، ولا يضيع وقته في اللهو والعبث، ولا يجلس في بيته أو مكتبه طاقة معطلة عن العمل والإنتاج، ويهدر وقته في أعمال غير مفيدة وقاتلة للوقت، وما أكثرها في عصرنا الحاضر.


;