رقائق في كل شيء: كيف سيتغير العالم مع انتشار الحواسيب إلى الأشياء اليومية

رقائق في كل شيء: كيف سيتغير العالم مع انتشار الحواسيب إلى الأشياء اليومية

ترجمة: علاء الدين أبو زينة


بينما تصبح أجهزة الحاسوب والاتصال أرخص ثمناً، سيكون من المنطقي إدخالها في المزيد والمزيد من الأشياء التي ليست حواسيب في حد ذاتها -من الجرارات الزراعية وآلات القهوة، إلى الأبقار والروبوتات الآلية- خالقة ما يدعى “إنترنت الأشياء” أو iot. وهي ثورة بطيئة تتسارع منذ سنوات، حيث وجدت الحواسيب طريقها إلى السيارات والهواتف وأجهزة التلفاز. لكن هذا التحول على وشك الدخول في طور أوسع نطاقاً وأكثر سرعة. ووفق أحد التوقعات، فإن العالم سيضم، بحلول العام 2035، نحو تريليون حاسوب متصل، مدمج في كل شيء، من تغليف المواد الغذائية إلى الجسور والملابس .
* * *
في التاسع والعشرين من آب (أغسطس)، بينما كان إعصار دوريان يتجه نحو الساحل الشرقي لأميركا، أعلن إيلون موسك، رئيس شركة “تسلا”، صانعة السيارات الكهربائية الشهيرة، أن بعض زبائنه في طريق العاصفة سيجدون سياراتهم وقد طورت فجأة القدرة على المضي مسافة أبعد بشحن البطارية الواحد. ومثل العديد من السيارات الحديثة، فإن أفضل تفكير في منتجات موسك هو اعتبارها أجهزة كمبيوتر متصلة بالإنترنت وتسير على عجلات. وتحتوي الموديلات الأرخص في مجموعة “تسلا” على أجزاء معطلة من بطارياتها بواسطة برنامج السيارة من أجل الحد من مداها. وعند النقر على لوحة مفاتيح في “بالو ألتو” ، تمكنت الشركة من إزالة هذه القيود ومنح السائقين وصولاً مؤقتاً إلى الطاقة الكاملة لبطارياتهم .
تعرض سيارات موسك المحوسبة مجرد مثال على اتجاه أوسع نطاقاً بكثير. فبينما تصبح أجهزة الحاسوب والاتصال أرخص ثمناً، سيكون من المنطقي إدخالها في المزيد والمزيد من الأشياء التي ليست حواسيباً في حد ذاتها -من الجرارات الزراعية وآلات القهوة، إلى الأبقار والروبوتات الآلية- خالقة ما يدعى “إنترنت الأشياء” أو iot. وهي ثورة بطيئة تتسارع منذ سنوات، حيث وجدت الحواسيب طريقها إلى السيارات والهواتف وأجهزة التلفاز. لكن هذا التحول على وشك الدخول في طور أوسع نطاقاً وأكثر سرعة. ووفق أحد التوقعات، فإن العالم سيضم، بحلول العام 2035، نحو تريليون حاسوب متصل، مدمج في كل شيء، من تغليف المواد الغذائية إلى الجسور والملابس .
سوف يجلب مثل هذا العالم العديد من الفوائد. سوف يحصل المستهلكون على مزيد من الراحة، بينما يحصلون أيضاً على منتجات يمكنها القيام بأشياء لا يمكن للإصدارات غير المحوسبة منها القيام بها. وعلى سبيل المثال، تأتي أجراس الأبواب الذكية من “أمازون” مزودة بأجهزة استشعار الحركة وكاميرات الفيديو. وهكذا، يمكنها أن تكوِّن، بالعمل معاً شبكة دائرة تلفزيونية مغلقة، أو مراقبة بالفيديو، وهو ما يتيح للشركة أن تقدم لعملائها مخططا “لمراقبة رقمية للحي” وتمرير أي فيديو مثير للاهتمام إلى الشرطة .
وسوف تكسب الأعمال والشركات مزيدا من الكفاءة أيضا، حيث تتحول المعلومات عن العالم المادي، التي اعتادت أن تكون سريعة الزوال وغير مؤكدة، لتصبح ملموسة وقابلة للتحليل. وسوف تساعد الإضاءة الذكية في المباني في توفير الطاقة. يومكن للآلات المحوسبة أن تتنبأ بحدوث أعطالها وأن تجدول أعمال الصيانة الوقائية الخاصة بها. وبالنسبة للأبقار المتصلة (بالإنترنت)، سوف يصبح من الممكن تعقب عاداتها الغذائية وعلاماتها الحيوية في الوقت الحقيقي، مما يعني أن تنتج المزيد من الحليب، وتأن تطلب أدوية أقل عندما تمرض. وتبدو هذه المكاسب صغيرة لدى أخذ كل واحد منها على حدة، لكنها ستشكل، بينما تتضاعف مرات ومرات في الاقتصاد، مادة خاماً للنمو –وربما الكثير جداً منه .
مع ذلك، سوف تتجلى الآثار الأكثر وضوحاً لإنترنت الأشياء على المدى الطويل في كيفية عمل العالم. وإحدى طرق التفكير في ذلك هي تأمل المرحلة الثانية للإنترنت. سوف يحمل هذا الإنترنت معه نماذج الأعمال التي هيمنت على المرحلة الأولى -على سبيل المثال، الاحتكارات الطاغية لـ”المنصات” المهيمنة، أو النهج القائم على البيانات الذي يسميه النقاد “رأسمالية المراقبة”. وسوف تصبح المزيد من الشركات شركات تكنولوجيا. وسوف يصبح الإنترنت كلّي الانتشار. ونتيجة لذلك، فإن سلسلة من الجدالات غير المحلولة حول الملكية، والبيانات، والمراقبة، والمنافسة والأمن سوف تنساب من العالم الافتراضي إلى العالَم الحقيقي .
ولنبدأ بالمُلكية. كما أظهر السيد موسك (في حالة السيارات الكهربائية أعلاه)، فإن الإنترنت يمنح الشركات القدرة على البقاء على اتصال بمنتجاتها حتى بعد بيعها، مما يحول هذه المنتجات إلى شيء أقرب إلى الخدمات منه إلى السلع. وقد أدى هذا مسبقاً إلى إحاطة الأفكار التقليدية عن المُلكية بالضبابية. عندما أغلقت شركة “ميكروسوفت” متجرها للكتب الإلكترونية في تموز (يوليو)، على سبيل المثال، فقد عملاؤها القدرة على قراءة عناوين كانوا قد اشتروها (عرضت الشركة إعادة الأموال لزبائنها). ووجد بعض المستخدِمين الأوائل لأجهزة “المنزل الذكي” أنها توقفت عن العمل بعد أن فقدت الشركات التي صنعتها الاهتمام .
يعمل هذا الواقع على إمالة ميزان القوة من العميل إلى البائع. وقد انخرط جون ديري، وهو صانع أميركي للجرارات الزراعية عالية التقنية، في خلاف حول قيود البرمجيات التي تمنع عملاءه من إصلاح جراراتهم بأنفسهم. وبالنظر إلى أن البرمجيات لا تُباع وأنما تُمنح ترخيصاً، جادلت الشركة بأن مشتري الجرار، في بعض الحالات، ربما لا يشتري المنتج على الإطلاق، وإنما يتلقى بدلاً من ذلك رخصة لتشغيله فحسب .
سوف تتصادم نماذج الأعمال الافتراضية في العالم المادي. وتبدو شركات التقنية سعيدة عموماً بالتحرك بسرعة وكسر الأشياء. لكنك لا تستطيع إصدار النسخة التجريبية من ثلاجة، على سبيل المثال. وتوفر شركة “أبل”، وهي شركة للهواتف الذكية، تحديثات لهواتفها لمدة خمس سنوات فقط أو نحو ذلك بعد إطلاقها؛ كما أن مستخدمي الهواتف الذكية التي تعمل بنظام أندرويد محظوظون بالحصول على سنتين. لكن السلع مثل الغسالات أو الآلات الصناعية يمكن أن يكون لها عمر افتراضي يمتد لعقد أو أكثر. وسوف تحتاج الشركات إلى ابتكار طريقة لكيفية دعم الأجهزة المحوسبة المتطورة بعد فترة طويلة من ذهاب مبرمجيها الأصليين .
سوف تكون البيانات نقطة وميض أخرى. بالنسبة لمعظم الإنترنت، يتمثل نموذج الأعمال في تقديم خدمات “مجانية” يتم دفع مقابلها ببيانات المستخدم القيِّمة والحميمة، التي يتم جمعها بموافقة تكون على نصف دراية في أحسن الأحوال. وهذا صحيح في حالة “إنترنت الأشياء” أيضاً. سوف تتعقب المراتب (الفرشات) الذكية النَّوم. وسوف تراقب الأجهزة الطبية المزروعة في الجسم (الغرسات الطبية) وتقوم بتعديل دقات القلب ومستويات الأنسولين، بدرجات متفاوتة من الشفافية. وتقوم صناعة التأمين بالتجريب في استخدام البيانات المستخلصة من السيارات أو أجهزة تتبع اللياقة البدنية لضبط أقساط العملاء. وفي العالم الافتراضي، يمكن أن تبدو الحجج حول ما هو الذي يجب تعقبه، ومن هو الذي يمتلك البيانات الناتجة، هوائية ونظرية فحسب. لكن هذه الحجج ستبدو أكثر إلحاحاً في العالم الحقيقي .
ثم، هناك المنافسة. ستكون تدفقات البيانات من أدوات “إنترنت الأشياء” بنفس قيمة تلك البيانات التي يتم الحصول عليها من مشاركات “فيسبوك” أو سجل بحث “غوغل”. وسوف يكرر منطق الأعمال التجارية المقودة بالتكنولوجيا التي تبلي بلاء حسناً باطراد بينما تقوم بجمع ومعالجة المزيد من البيانات، ديناميات السوق التي شهدت صعود شركات المنصات العملاقة على الإنترنت. وسوف تضيف الحاجة إلى مطابقة المعايير وإلى أدوات “إنترنت الأشياء” للتحدث مع بعضهم البعض، مزايا إلى القادة -وكذلك ستفعل مخاوف المستهلكين، وبعضها مبرر، حول مدى هشاشة السيارات المتصلة بالإنترنت، والغرسات الطبية وغيرها من الأجهزة أمام الاختراق والقرصنة .
من الصعب التنبؤ بعواقب أي تقنية -خاصةً واحدة تتعلق بعالمية الحوسبة. وكان ظهور إنترنت المستهلك، قبل 25 عاماً، قد قوبل بتفاؤل مندهش. وفي هذه الأيام، أصبحت عيوب الإنترنت، من القوة الاحتكارية إلى التطفل على الشركات وذهاب الناس إلى التطرف على الإنترنت، هي التي تهيمن على العناوين الرئيسية. وسوف تكون الخدعة مع “إنترنت الأشياء”، كما هو الحال مع أي شيء آخر، هي زيادة الفوائد مع تقليل الأضرار إلى الحد الأدنى. ولن يكون تحقيق هذا سهلاً. لكن لدى الأشخاص الذين يفكرون في كيفية القيام بذلك ميزة العيش في عصر ثورة الإنترنت الأولى –وهو ما ينبغي أن يعطيهم فكرة عما يمكن أن يتوقعوه .


;