وسطية الاقتصاد الإسلامي وجمال غايته

وسطية الاقتصاد الإسلامي وجمال غايته

عمار علي سليمان

في خضم التقلبات الحاصلة على المستوى الدولي وارتفاع مستوى الوعي لدى الشعوب بكافة بقاع الأرض ظهر على الساحة مشكلتان في أكبر نظاميين اقتصاديين على مستوى العالم (النظام الرأسمالي المتمثل بـ (أمريكا) والنظام الاشتراكي المتمثل بـ (الصين)، فكلا النظامين على اتساع سطوته على العالم بدأ يتآكل من داخله ويحتاج إلى مراجعات ووقفات، فعلى صعيد النظام الأمريكي  الرأسمالي المعظّم للفردية أدى إلى ازدياد الهوة بين أصحاب النفوذ المالي المتمثل بالشركات الكبرى وبين الطبقة العمالية التي ترى في هذه السياسات ظلما وسوء توزيع للثروة, وعلى الجانب الأخر يقبع النظام الصيني تحت ضغط الأفراد المتنفذين في رؤوس الأموال  للضغط على السلطات الصينية لتعظيم القيمة الفردية فما الحل؟

باختصار شديد الإشكال يكمن في أحادية النظرة لدى النظاميين, فالرأسمالية تهمل شريحة كبيرة من المجتمع الكادح وتُسعد أناسا على حساب آخرين، فأصحاب الأموال يتمتعون بالترف على حساب الطبقة الكادحة، ويصل الأمر الى استعباد وظيفي تمارسه أيدي أصحاب الأموال، وبسبب بروز النزعة المادية وانتشارها في الفضاء الغربي يقبع العمال تحت الشعور بالقهر، لأن مستوى الرضا عندهم في أقل حالاته، مقارنة بأصحاب شركة كشركة ول مارت* وهذه المشكلة أقرب ما تسمى بضغط الواقع وتزيد الضغط على الفرد العامل ليحقق أدنى مستوى مقبول من النجاح، المتمثل باستهلاك أكبر قدر من المادة المتاحة! 

ونتيجة طبيعية لهذا المرض المزمن ظهرت ما يسمى بحركة (احتلوا ول ستريت) فهل يجنح المجتمع الأمريكي إلى اشتراكية جديدة؟ لا أظن.

نأتي إلى الاقتصاد الصيني سريع الانتشار، فأي ملاحظ للسوق العالمي يعلم أن المنتجات الصينية في مرحلة ازدهار من حياتها، وهذا يعني اتجاه القوة إلى النفوذ المالي على حساب الاشتراكي، مطالبا الإرادة الاشتراكية المهترئة بإصلاحات جذرية تعين الأفراد على التميز والاستحواذ! فهل يجنح النظام الاشتراكي الى رأسمالية جديدة؟؟ لا أظن.

بعد عرض الإشكالين نلقي نظرة على النظام الإسلامي ووسطيته, ولعل أهم نقطة تحسب للنظام الإسلامي هي التوازن بين الحقوق الفردية والجمالية الاجتماعية،  فإكرام الفردية وتميزها تتشكل من نسق هذه الآية:  (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ(، ولا شك أن هذه الآية تتكلم عن سوق الجنة، ولكن لا ننسى سوق الدنيا هو المعبر لسوق الجنان، فينطبق هذا على ذاك مع اتساع الفارق.

والصورة الجمالية الثانية في النظام الإسلامي هي تكريس هذه الفردية لإصلاح المجتمع والنهوض به اجتماعيا: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً)..

ومن هنا ليست الفردية هي الغاية ولا حتى الاجتماعية بل الغاية قررها الرحمن في كتابه (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا)، إنها الغاية العليا التي ترتبط بها جميع الأنشطة الإنسانية لتخرج من براثين المادة المحض ونفاق التضليل الاجتماعي لتكون (وعجلت اليك ربي لترضى)..

فهل بعد هذا من جمال متمثل في تكريس الفردية لتصب في جدول المجموع لتكون هوية إسلامية إنسانية غايتها إرضاء من أنعم علينا بالتفرد كأشخاص وبالتعاون كمجتمع..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*ول مارت: شركة أمريكية بحجم دولة صغيرة، وباقتصاد دولة كبيرة. وهي أكبر شركة مبيعات تجزئة في العالم على الإطلاق، وتحقق أرباحاً سنوية تعادل مجموع أرباح أكبر خمسة منافسين لها! ويعمل فيها أكثر من مليوني شخص، ويلج إلى فروعها للتسوق أكثر من مائة مليون شخص يومياً،

;