AAT World

ما الأفعال التي يمكن اعتبارها جريمة داخل الميتافيرس؟

مع التطور السريع للميتافيرس أو العالم الافتراضي ووصول أسعار العقارات هناك إلى مستويات لا تصدّق، هل يصبح هذا العالم بحاجة إلى قوانين جنائية تنظمه في حال وقوع جرائم كالسرقة أو النصب أو القتل؟
“ما الأفعال التي يمكن اعتبارها جريمة داخل الميتافيرس؟”، نشرت مجلة Wired الأمريكية تقريراً يجيب عن السؤال انطلاقاً من التطور الهائل للميتافيرس، خصوصاً بعد دخول فيسبوك على خط تطوير تلك التقنية.
وقبل ظهور الميتافيرس، كانت هناك ألعاب إم يو دي (MUD) أو النطاق متعدد اللاعبين. وقد كانت أشهر العوالم الافتراضية المتاحة للتفاعل الاجتماعي في عام 1993، وكانت تلك الألعاب عبارةً عن عوالم قائمة على النصوص، ولكن بدون رسومات، حيث يتنقل اللاعبون بين عددٍ من “الغرف” عبر الأوامر النصية ويتفاعلون مع الآخرين هناك.

قصة جرائم الألعاب النصية
وكانت LambdaMOO واحدةً من أشهر تلك الألعاب، مع تصميم يُحاكي قصراً في كاليفورنيا. وفي إحدى الليالي، كان عددٌ من المستخدمين يقضون الوقت في الحديث إلى بعضهم البعض داخل “غرفة المعيشة”. لكنهم فوجئوا بقيام مستخدمٍ يُدعى Mr. Bungle بإطلاق أداة “دمية الفودو”، التي تُنتج نصوصاً مثل “جون يركل بيل”، حتى يبدو وكأن المستخدمين ينفذون أفعالاً داخل الغرفة.
وقام Mr. Bungle بجعل أحد المستخدمين يبدو وكأنه ينفذ أفعالاً جنسية وعنيفة تجاه اثنين من المستخدمين الآخرين. وشعر أولئك المستخدمون بالذعر والانتهاك، وشهدت الأيام التالية الكثير من الجدل حول كيفية الاستجابة لهذا السلوك داخل العالم الافتراضي، قبل أن يتم إقصاء Mr. Bungle من اللعبة.
ويتفق الجميع تقريباً على أن Mr. Bungle قد فعل شيئاً خاطئاً. ولكن كيف يجب أن نفسر هذا الخطأ؟ إذ سنجد شخصاً، من المقتنعين بأنّ العوالم الافتراضية هي محض خيال، يقول إنّ التجربة تُشبه قراءة قصةٍ قصيرة تتعرض خلالها للاعتداء. ويظل هذا الانتهاك خطيراً بالطبع، لكنه يختلف عن الاعتداء الحقيقي من حيث النوع. ومع ذلك، لم ينظر الغالبية داخل مجتمع الألعاب إلى الأمر من هذه الزاوية.
إذ كتب الصحفي التقني جوليان ديبيل عن محادثةٍ أجراها مع أحد ضحايا الاعتداء في اللعبة: “بعد أشهرٍ من الواقعة، اعترفت لي المرأة بأن دموع ما بعد الصدمة كانت تنهمر من عينيها وهي تكتب لي تلك الكلمات”.
وتدعم تجربة الضحية هنا فكرة الواقعية الافتراضية، وهي النظرة القائلة إنّ الواقع الافتراضي هو واقعٌ حقيقي، وإن ما يحدث داخل العوالم الافتراضية قد يحمل نفس معناه في العالم المادي. وبالتالي فإنّ الاعتداء داخل اللعبة لم يكن مجرد حدثٍ خيالي وبعيد عن المستخدم، بل كان اعتداءً افتراضياً حقيقياً أصاب الضحية.
فهل كان اعتداء Mr. Bungle سيئاً بنفس قدر الاعتداء الجنسي المماثل في العالم غير الافتراضي؟ قد تكون الإجابة هي لا. لكن تطور علاقاتنا بأجسادنا الافتراضية سيجعل المسألة أكثر تعقيداً.
إذ إن أجسادنا الافتراضية داخل عالمٍ افتراضي طويل المدى، مع أفاتار يجسد هوية الشخص لسنوات، ستكون معبرةً عن هويتنا أكثر مما كانت في البيئة النصية قصيرة المدى. وقد جادلت الفيلسوفة الأسترالية جيسيكا وولفيندال بأنّ هذا “الارتباط بالأفاتار” له أهميةٌ من الناحية الأخلاقية. ومع زيادة تجربة أجسادنا الافتراضية تطوراً وثراءً، ستصبح انتهاكات أجسادنا الافتراضية بنفس خطورة انتهاكات أجسادنا المادية.
كما أن اعتداء Mr. Bungle يُثير أيضاً عدداً من القضايا المهمة حول حوكمة العوالم الافتراضية، حيث كانت لعبة LambdaMOO تتنقل بكل يسرٍ عبر مختلف أشكال الحوكمة، من الديكتاتورية وحتى الديمقراطية.

هل المخالفات داخل الألعاب تعتبر جرائم؟
وكل ما سبق يُضاف إلى قائمة القضايا الحاسمة المتعلقة بأخلاقيات العوالم الافتراضية على المدى القريب. كيف يجب أن يتصرف المستخدمون داخل العالم الافتراضي؟ وما هو الفارق بين الصواب والخطأ في هذه المساحة الافتراضية؟ وكيف يبدو شكل العدالة في تلك المجتمعات؟
ولنبدأ بالحديث عند العوالم الافتراضية الموجودة بالفعل. وأبسط مثالٍ على ذلك هو ألعاب الفيديو الفردية. فقد تعتقد أن تلك الألعاب خالية من المخاوف الأخلاقية لأنها تعتمد على لاعبٍ واحد، لكن المشكلات الأخلاقية ربما تظهر أحياناً.
إذ قال الفيلسوف مورغان لاك في مقالةٍ نشرها عام 2009، بعنوان “مُعضلة اللاعب The Gamer’s Dilemma”، إنّ غالبية الناس يرون أن القتل الافتراضي (أي قتل الشخصيات غير القابلة للعب) هو أمرٌ مباحٌ أخلاقياً، بينما يعتبرون الاعتداء الجنسي على الأطفال أمراً مرفوضاً حتى في العالم الافتراضي. ويسري الأمر ذاته على الاعتداء الجنسي. ففي عام 1982 ظهرت لعبة Custer’s Revenge على الأتاري، وكان هدف اللعبة هو الاعتداء جنسياً على امرأةٍ أمريكية من السكان الأصليين. وقد رأى غالبية الناس شيئاً خاطئاً هنا من الناحية الأخلاقية.
ويمثل هذا الأمر لغزاً فلسفياً. فما هو الفارق الأخلاقي النسبي بين القتل وبين الاعتداء الجنسي على الأطفال في العالم الافتراضي؟ إذ لا ينطوي كلاهما على إيذاءٍ مباشر للآخرين. إلا بالطبع إذا أدى الاعتداء في العالم الافتراضي إلى اعتداءٍ حقيقي على الأطفال في العالم غير الافتراضي، وحينها سيكون الضرر جسيماً، لكن ليس هناك أدلة قوية على هذا الانتقال بالطبع.
ولا يمكن للنظريات الأخلاقية تفسير الخطأ هنا بسهولة. إذ يستشهد أحد التفسيرات المحتملة بنظرية أخلاقيات الفضيلة، التي تفسر الفارق بين الأفعال الصائبة والخاطئة من حيث فضائل ورذائل الشخص الذي يرتكبها.
ولكن بمجرد أن ننتقل إلى بيئات ألعاب الفيديو متعددة المستخدمين (مثل Fortnite)، والعوالم الافتراضية الاجتماعية الكاملة (مثل Second Life)؛ سنجد أن المشكلات الأخلاقية تتضاعف؛ لأن أخلاقيات العوالم الافتراضية كانت ستقتصر على أخلاقيات الألعاب وقصص الخيال لو كانت تلك العوالم الافتراضية مجرد ألعابٍ أو خيال.
وربما يمكن للناس أن يؤذوا بعضهم أثناء اللعب في العوالم الافتراضية، ولكن ليس بنفس درجة الأذى الواقع في الحياة العادية. ولكن بمجرد أن يبدأ الناس في النظر إلى العوالم الافتراضية باعتبارها حقيقةً واقعية؛ ستصير أخلاقيات العوالم الافتراضية مهمةً من حيث المبدأ بقدر أهمية الأخلاقيات عموماً.

ماذا عن الصفقات العقارية الافتراضية؟
المقصود بالميتافيرس هو العوالم الافتراضية، وبشكل عام هذه التقنية موجودة بالفعل منذ سنوات وتستخدم بالأساس في ألعاب الفيديو، لكن ما يتحدث عنه خبراء التكنولوجيا الآن أمر مختلف، يهدف إلى جعل الميتافيرس وكأنها نسخة منقحة من الواقع الافتراضي.
ويعتقد كثير من هؤلاء الخبراء أن الميتافيرس قد يصبح الثورة القادمة في مستقبل الإنترنت، بل إن ثمة اعتقاداً بأن مقارنة الميتافيرس بالواقع الافتراضي المستخدم في الألعاب حالياً ربما تشبه مقارنة الهواتف الذكية بالجيل الأول من الهواتف المحمولة الضخمة التي أُنتجت في ثمانينيات القرن الماضي.
فالميتافيرس أو العالم الافتراضي الجديد يمكن أن يستخدم في أي شيء، كالعمل واللعب والحفلات الموسيقية والذهاب إلى دور السينما، أو مجرد الالتقاء بالأصدقاء. ويتصور غالبية الناس أنك تحتاج إلى “أفاتار” أو صورة رمزية ثلاثية الأبعاد، لكي تتمكن من استخدامه. ولكن لأن الميتافيرس لا يزال مجرد فكرة جديدة، فإنه لم يُتفَق بعد على تعريف موحد له.
وعلى الرغم من ذلك، يتطور الميتافيرس أو العالم الافتراضي بسرعة فائقة، لدرجة عقد صفقات عقارية وشراء أراضٍ، إذ يبدو أن تدخل شركة ميتا أو فيسبوك سابقاً قد أعطى الميتافيرس دفعة ضخمة، بعد تقارير بيع عقارات وأراضٍ في العالم الافتراضي تجاوزت قيمتها 2.4 مليون دولار، وتخطى سعر المتر المربع فيها 4 آلاف دولار.

صناع المشكلات داخل العالم الافتراضي
تشهد عوالم الألعاب متعددة اللاعبين وجود لاعبين يوصفون بـ”صناع المشكلات”، وهم لاعبون من ذوي النوايا السيئة الذين يستمتعون بالتحرش باللاعبين الآخرين، وسرقة ممتلكاتهم، وإيذائهم أو قتلهم داخل عالم اللعبة. ويُعتبر هذا السلوك خاطئاً على نطاقٍ واسع طالما أنه يتعارض مع استمتاع اللاعبين باللعبة. لكن هل تعتبر سرقة ممتلكات شخصٍ ما داخل لعبة أمراً سيئاً بقدر السرقة في الحياة الواقعية؟
إذ يتفق معظمنا على أن العناصر المملوكة داخل اللعبة لها أهميةٌ أقل من ممتلكاتنا في العالم غير الافتراضي. ومع ذلك، فإنّ الممتلكات داخل الألعاب طويلة المدى قد تحمل أهميةً للمستخدم، وبالتالي يصير الضرر الواقع عليه أكبر. ففي عام 2012، أيدت المحكمة العليا الهولندية قرار إدانة مراهقين بسرقة تميمةٍ رقمية من مراهقٍ آخر داخل لعبة Runescape على الإنترنت. وأعلنت المحكمة أن التميمة كانت تحمل قيمةً حقيقية من حيث الوقت والجهد المبذولين من أجل الحصول عليها.
وقد يصعب تفسير السرقة الافتراضية في حال كانت العناصر الافتراضية محض خيالات. إذ كيف “تسرق” عنصراً لا وجود له؟ هذا هو ما وصفه الفيلسوفان ناثان وايلدمان ونيل ماكدونيل بـ”لغز السرقة الافتراضية”. إذ قالا إنّ العناصر الافتراضية هي مجرد خيالات، وجادلا بعدم إمكانية سرقتها. وفي أسوأ الأحوال، تشهد تلك الحالات سرقة عناصر رقمية وليس افتراضية. أي أن السرقة الافتراضية تسلب المرء عنصراً افتراضياً حقيقياً وقيّماً، ما يعني أن السرقة الافتراضية تدعم فكرة الواقعية الافتراضية.
وماذا عن القتل في العوالم الافتراضية؟ ليست هناك مساحةٌ كبيرة للقتل الحقيقي داخل العوالم الافتراضية على المدى القصير. إذ إنّ أقرب شيءٍ للقتل في تلك العوالم هو “قتل” الأفاتار. ولكن قتل الأفاتار لن يقتل صاحبه، بل سيؤدي في أسوأ الأحوال إلى حذف ذلك الشخص من العالم الافتراضي، وهو فعلٌ أقرب إلى النفي. وربما يكون الفعل خطيراً من الناحية الأخلاقية، ولكنه ليس بنفس خطورة جريمة القتل في العالم العادي بالطبع.
كيف يجب أن يكون العقاب على الأفعال الخاطئة في العوالم الافتراضية؟ قد يكون النفي/الإبعاد خياراً متاحاً، لكنه لن يُحدث فارقاً كبيراً. وقد تكون للعقوبات والسجن الافتراضي بعض التأثير، لكن التأثير سيكون محدوداً بسبب قدرة المستخدمين ببساطة على دخول أجسادٍ جديدة بحسابات جديدة. وربما يكون العقاب غير الافتراضي (في صورة الغرامات أو السجن) خياراً متاحاً من حيث المبدأ، لكن الهوية المجهولة للمستخدمين قد تجعلها مهمةً صعبة التحقيق.
بينما يتعيّن على النظم القانونية أن تلحق بالركب، إذ عادةً ما نتعامل مع العوالم الافتراضية باعتبارها بيئات ألعاب نهرب إليها، دون أن تكون لأفعالنا هناك أي أهمية.
لكن العقود المقبلة ستشهد تجاوز العوالم الافتراضية لنطاق الألعاب، حتى تصير جزءاً من حيواتنا اليومية. وستحمل الأفعال داخل تلك العوالم الافتراضية نفس معناها وقيمتها في العالم المادي. وبالتالي فإن الجرائم المرتكبة داخل العوالم الافتراضية، مثل السرقة والاعتداء، ستؤثر على أشخاصٍ حقيقيين وستكون بمثابة جرائم حقيقية. ونحن بحاجةٍ للتعامل مع الواقع الافتراضي على أنه واقعٌ حقيقي حتى نتمكن من إدراك الأمر بصورةٍ كاملة

Facebook
Twitter
WhatsApp
Telegram
Print