AAT World

العقل قيمة.. كيف نحميها في العصر الرقمي؟

تحرير العقل جهاد عظيم قد يفوق تحرير الأرض، وتعطيل وظيفته جريمة لا تقل عن تعطيل مؤسسات الدولة، والحفاظ عليه ورعايته مهمة عظيمة، وفريضة واجبة، يجب ألا يُغفل عنها.
حرر الإسلام العقل مما يُقيده ويُعطله، سواء بتقبل الخرافات والأوهام التي ينتجها الاعتقاد في الأساطير والسحر، أو التمسك بالتقاليد البالية المُعيقة للتفكير، أو في الجانب المادي من تعاطي المخدرات والخمور والمسكرات، ومن العجيب أن هناك أحاديث نبوية تنص على أن من أتى عرافاً أو شرب خمراً لم تقبل منه صلاة أربعين يوماً، فالأمران متساويان في إغلاق أبواب القبول؛ لأن الجُرم واحد.
وهناك جوانب متعددة لتعطيل العقل، منها الأدب والفن اللذان يثيران الغرائز، فهما يصرفان العقل نحو البحث عن إشباع ملذاته، ويرفض الأديب يحيى حقي مثل هذا النوع من الأدب، فالآداب والفنون تتسرب إلى اللاوعي للتأثير في الوعي الإنساني، فإن غُيب الوعي، فإننا نكون أمام جريمة ضحيتها العقل، يقول حقي: “إني لا أعترف بأي نتاج أدبي فني ناتج من سكر أو خمر، لأني أُعلي من قيمة العقل، الذي لا يجوز العبث به أو المساس به”.
وانتقد عبدالرحمن الكواكبي استبداد النفس على العقل، فالاستبداد يُميت المواهب العقلية، وهو من مسببات التخلف، فالخوف والقهر يحجبان العقل عن الانطلاق، ومن الضروري ألا يُنظر فقط إلى الجانب السياسي عند الحديث عن الاستبداد، فهو حالة عامة في المجتمع وفي الأسرة والمدرسة ومؤسسات التربية، وحتى في المجال الأكاديمي، يقول الكواكبي: “الجهل يولّد الخوف، وكلما تنوّر العقل زال الخوف من المستبد”، أما الإذعان للعادات والتقاليد الجامدة فهو عائق كبير أمام العقل، يقول العقاد، في كتابه “التفكير فريضة إسلامية”: “الإسلام لا يقبل من المسلم أن يلغي عقله ليجري على سُنّة آبائه وأجداده، ولا يقبل منه أن يلغي عقله خنوعاً لمن يُسخره باسم الدين في غير ما يرضي العقل والدين، ولا يقبل منه أن يلغي عقله رهبة من بطش الأقوياء وطغيان الأشداء”، كذلك يُضر ضعف الهمة وفتور العزيمة بالعقل، فيُقعده عن النهوض بمسؤولياته، والانطلاق نحول سُبُل الكمال، يقول ابن الجوزي، في كتابه “صيد الخاطر”: “من علامة كمال العقل علو الهمة”.
ولكن كيف يمكن الحفاظ على قيمة العقل في العصر الرقمي؟ ذلك العصر الذي باتت فيه التكنولوجيا الرقمية تهدد العقل؛ سواء بتقليل قدراته مع إحلال الآلة محله، أو حالة الإدمان التي أصابت الكثير من البشر، وجعلتهم مذعنين للرقمنة وشاشاتها أكثر من نصف ساعات يقظتهم، أو حالة السطحية والقشرية المعرفية المتنامية مع انتشار التكنولوجيا الرقمية.
في كتابه “حماية دماغك في العصر الرقمي”(2)، يرى عالم الأعصاب “كارل دي مارسي” أن التكنولوجيا الرقمية خلقت حالة من الإلهاء، وأحدثت فوضى في أدمغتنا، مما تسبب في فقدان التوازن بين التكنولوجيا والحياة، ففقد الإنسان الكثير من علاقاته وذكائه الاجتماعي، وبات هناك “هوس” بالحصول على الإعجاب في مواقع التواصل الاجتماعي، وعن العلاقة بين ذلك وعلم الأعصاب والعقل يؤكد “مارسي” أنه حدثت تغيرات في الذاكرة والعاطفة، وطريقة معالجة العقل للمعلومات، وكيفية فهم سياقها، والترابط بينها، فهناك دلالات على حدوث تغيرات فسيولوجية في دماغ الإنسان، فأصبح الحصول على الإعجاب يحفز على إطلاق جرعة من الدوبامين(3) في الدماغ.
بل إن كثرة المشاهدة للعنف تغطي على العقل، وتدفع الإنسان لتقليده؛ ففي عام 2017م، أقدمت الفتاة البريطانية “مولي راسل” على الانتحار تقليداً لمشاهد عنف على الإنترنت، ففي تلك السن التي يتشكل فيها العقل قد تقف الرقمنة سداً منيعاً للحيلولة دون بناء عقل قوي ناقد قادر على التفكير المستقل، ولذا يُفهم تهديد بريطانيا بحظر مواقع التواصل الاجتماعي مع تنامي الأفكار الانتحارية، فالصحة العقلية مهددة مع الإذعان للتكنولوجيا الرقمية، بل إن صحيفة “الجارديان” البريطانية، في 6/1/2021م، ذكرت أن آلاف الأطفال والمراهقين يدخلون المشافي بسبب اضطرابات النوم الناجمة عن استخدام الهواتف الذكية قبل النوم، وبذلك يدمرون صحتهم العقلية، وحذرت من أن الصحة العقلية للأجيال القادمة أمام خطر محدق.
لكن الأخطر مع العصر الرقمي بالنسبة للعقل هو “التنميط”، فالغالبية تفكر بطريقة تكاد تكون واحدة، ويؤشر ذلك لوجود إمكانية للتحكم في عقول الناس وتوجيهها، وربما هذا ما تسعى إليه شركات التسويق من خلال الحصول على بيانات عن أداء الأشخاص على الإنترنت، وتحليلها لتوجيه الغالبية نحو سلع أو خدمات بعينها، أي أن العقل بات محل استهداف وإخضاع وتوجيه في العصر الرقمي، مما يهدد قيمته.
التشتت الذهني

وفي العصر الرقمي، يعاني العقل من التشتت، لكثرة مطالعة الإنسان لهاتفه، وفي كتاب «العقل المشتت: العقول القديمة في عالم عالي التقنية»(4)، يؤكد عالم الأعصاب الأمريكي “آدم جازالي” أن الإنسان به جوع فطري للمعلومات، وأن هناك فجوة بين تلك الفطرة والقدرة على تحقيق الانتباه، ويذكر “جازالي” أن الإنسان يمتلك قدرة على التخطيط أكثر من قدرته على الاستمرار في التركيز في مهمة معينة، وهو ما يعني قابلية العقل الإنساني للتشتت، والاستجابة لمحفزات الإلهاء، وهي مسألة استغلتها الرقمية ببراعة، فشتت العقل من خلال طنين الاهتزاز مع كل إشعار أو تغريدة، وأوجدت متعة للإنسان في سماع صوت تلك الإشعارات التي لا تتوقف طوال اليوم والليل إلا قليلاً، وربطت ذلك بحوافز للدماغ تحقق له السعادة والمتعة مع كل تنبيه بالإعجاب لأحد منشوراته.
كما ينبه عالم الأعصاب الأمريكي “كريستوف كوخ” إلى القدرات الهائلة للعقل الإنساني قائلاً: “يحتوي الكمبيوتر الموجود في رؤوسنا على حوالي 86 مليار وحدة معالجة، تُعرف باسم الخلايا العصبية، منسوجة في شبكة موزعة بمئات التريليونات من الوصلات أو المشابك، وعلى مدار حياته، يمكنه تخزين حوالي مليار بايت من البيانات، أي 50 ألف ضعف المعلومات الموجودة في مكتبة الكونغرس”، فهذا العطاء الإلهي العظيم المتمثل في العقل يحتاج إلى معرفة قيمته وحمايتها ورعايتها.
ويشير “جازالي” إلى أن الأهداف يتم القضاء عليها بطريقين؛ أولهما: الإلهاء، وهو ضخ قدر من المعلومات ليس له علاقة بالهدف، يصرف العقل عن مبتغاه، وثانيهما: المقاطعة: وهي أن ينفصل الإنسان عن هدفه فترة زمنية، وكلاهما تصنعه التكنولوجية الرقمية بكفاءة عالية، وكلاهما يندرج تحت عنوان “التشتت الذهني”، وتؤكد الدراسات أن الإنسان يحتاج إلى حوالي 25 دقيقة ليعود إلى مهمته إذا تعرض للمقاطعة، وإذا كان الهاتف يقطع الانتباه في الساعة الواحدة أكثر من 5 مرات، فمعنى هذا أن الهدف يضيع ويتبخر ولا يتبقى منه إلا رواسبه الثقيلة فقط، وتشير الدراسات إلى أن تعدد المهام في الوسائط الرقمية يزيد العبء على الذهن، ويصرفه عن التركيز، فتكثر الأخطاء، بل من أسباب إعاقة التعلم.
ويقترح “جازالي” مقاومة نداء الصفارة؛ أي الإشعارات التي يطلقها الهاتف؛ حفاظاً على الذهن من التشتت، وعلى الهدف من الضياع، وهذا يستلزم تغيير السلوك اليومي، وإتاحة مساحة لحماية قيمة العقل، فإذ كان الشخص يتبع الحمية الغذائية ويطالع الفوائد الصحية للأطعمة، فالواجب عليه أن يطالع أساليب الحفاظ على عقله، وضبط إغراءات الرقمية، يقول “نيكولاس كار” في كتابه “المياه الضحلة: ما يفعله الإنترنت بأدمغتنا”: “عندما نبدأ في استخدام “الويب” كبديل للذاكرة الشخصية، فإننا نجازف بإفراغ عقولنا من ثرواتها”.

Facebook
Twitter
WhatsApp
Telegram
Print