المسلمون في «آسام» الهندية.. نصف قرن من القتل والتهجير

المسلمون في «آسام» الهندية.. نصف قرن من القتل والتهجير

نشرت وكالات الأنباء العالمية صورة لصحفي هندوسي يقفز على جثة مسلم، قتلته القوات الهندية الهندوسية في ولاية آسام، لم تكن هذه الصورة لحادثة عابرة، بل خلفها قصة معاناة طويلة من العنف والاضطهاد العنصري، ومحاولة إلغاء الهوية الإسلامية في هذه الولاية الهندية.

ابتدأت معاناة المسلمين في الهند، وخاصة آسام، من عام 1974م، وهو العام الذي انفصلت فيه بنغلاديش عن باكستان، وأصبحت ولاية آسام منطقة حدودية للجمهورية البنغالية، وقد انعكس كون جمهورية بنغلاديش إسلامية على طابع ولاية آسام، خاصة أنه بسبب القرب والجغرافيا والعرق عزز دور الإسلام ليصبح ثاني ديانة في الولاية الهندية، كما أنه الدين الأول انتشاراً بها.

ولم يرُق هذا الأمر للحكومات الهندية الهندوسية المتعاقبة؛ فبدأت بإجراءات لمسح الهوية الإسلامية، ولعل الأحداث الإرهابية التي وقعت في عام 1983م هي الأشد عنفاً؛ حيث وقع العديد من المذابح ضد المسلمين، كان أقساها مذبحة قرية نيلي التي راح ضحيتها 3 آلاف شخص، وفي الفترة نفسها قامت مذابح أخرى في قرى مجاورة، وفي عام 1985م استُخدم أسلوب جديد في تهجير المسلمين من أراضيهم، تمثل في اتفاق سمي «اتفاق آسام»، وهو اتفاق أبرمه رئيس الوزراء في ذلك الوقت «راجيف غاندي»، ويقضي بتهجير وترحيل المسلمين القادمين من بنغلاديش من عام 1971م إلى تاريخه، ولكن بسبب الخلاف السياسي ووجود معارضة سياسية تَعرقل هذا الاتفاق.

وبعدها توترت الأوضاع في ولاية آسام؛ حيث لا يمر عام إلا وحدثت توترات ومظاهرات بسبب القمع ورفض المسلمين ومقاومة طمس هويتهم؛ ففي عام 2002م استخدمت القوات الهندية الأسلوب العسكري في قمع المسلمين المطالبين بحقوقهم، وخلال هذه الفترة قُتل نحو ألف مسلم في آسام بسبب القمع، وفي عام 2012م تجددت أعمال العنف ضد المسلمين، قام بها هندوس متطرفون، استخدمت فيها الأسلحة البيضاء والهجوم العشوائي على كل مسلم؛ سواء كان طفلاً أم امرأة أم شيخاً كبيراً، وتم حرق عشرات القرى، وتهجير أكثر من 10 آلاف شخص من بيوتهم.

وفي مايو 2014م، تجددت أعمال العنف ضد المسلمين في آسام أيضاً؛ حيث هاجم المسلحون بيوت المسلمين، وكانوا يقتلون كل من يقابلهم؛ حيث يدخلون البيت ويقتلون من فيه ثم يحرقونه، واستمرت حوادث القتل والحرق أربعة أيام، نتج عنها قتل العشرات وهروب المئات من منازلهم.

وفي العام نفسه (2014م)، تسلم السلطة في الهند حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي المتطرف، برئاسة رئيس الوزراء «ناريندرا مودي»، وكان من أول قراراته سحب الجنسية الهندية من أربعة ملايين مسلم في ولاية آسام؛ بدعوى أنهم مهاجرون غير شرعيين، أتوا من بنغلاديش، وفعّل العمل باتفاق آسام -الذي أقره «راجيف غاندي»- ولم يكتف بذلك، بل أمر بإغلاق 700 مدرسة إسلامية في الولاية؛ حيث قال وزير التعليم في حكومة حزب بهاراتيا «بيسو سارما»: إن «هذه المدارس لا تخرج أطباء ولا مهندسين ولا دكاترة، ونحن لسنا في حاجة لمزيد من أئمة المساجد، ويجب أن يتغير التعليم في ولاية آسام ويصبح حكومياً».

وفي الأيام الأخيرة، قامت القوات الهندية بطرد العديد من المسلمين من منازلهم بحجة أنها أقيمت على أراضي الدولة، وقامت باصطحاب إعلاميين لتوثيق عمليات طرد المسلمين، وكان منها الصورة التي رأيناها ورآها العالم كله لتثبت لنا مدى العنف والقهر الذي يراه المسلمون في ولاية آسام؛ حيث تم قتل صاحب البيت المسلم، وقام الصحفي بالقفز فوقه إظهاراً لمزيد من الحقد تجاه المسلمين.

أدوار مفتقدة

لقد ثارت ثائرة منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الأممية ضد حكومة «طالبان» لتخوفها من اضطهاد المرأة الأفغانية، وقلقها من أن تحرمها من العمل أو الدراسة، لكنها عند دماء المسلمين واضطهادهم وقتلهم وتهجيرهم في آسام صمتت صمت القبور، واعتبرته شأناً داخلياً للدولة؛ حتى إنها لم تكلّف نفسها ولو ببيان شجب أو استنكار، وتبعتها الدول والمنظمات الإسلامية، وكأن الأمر أقل من المطلوب، وأغلب الدول حتى لم تستنكر الواقعة.

وللتاريخ، فإن من شجب الحادثة، ودعا لوقفة احتجاجية ومقاطعة المنتجات الهندية هو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي صدر بيانه بمطالبته باحترام الأقليات الدينية وإعطائها حقوقها، وفق ما تكفله الاتفاقيات الدولية، كما دعا ناشطون ورموز إسلامية، على رأسهم الشيخ التويجري، المدير العام السابق لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة، إلى مقاطعة المنتجات الهندية، ونشر «الباركود» الخاصة بها، كما أن التفاعل الشعبي والعاطفة الإسلامية تمثلت بالمشاركة بالمنصات الإلكترونية لتوصيل رسالة للعالم، بأن المسلمين وإن تقاعست دولهم وخذلتهم المنظمات الحقوقية الغربية، وتخلت عنهم الدول العظمى التي تعتبر نفسها شرطي العالم، فإن الخير في هذه الأمة وفي شعوبها لنصرة إخوانهم.

تاريخ طويل من المعاناة

وسط بيئة هندوسية تحاربك –أيها المسلم- لدينك وعرقك، وترى أن دينك عدو لها وسط أمان من أي عقوبة دولية أو حتى اعتراض على أعمالها؛ فالضحية مسلم بالنهاية، وهذا أمر كاف لئلا تعاقب عليه.

لكن نذكّر بقول الرسول، صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (أخرجه مسلم).

ومن بدهيات القول التأكيد على أن هناك واجبات على كل مسلم تجاه إخوانه في آسام وفي جميع العالم؛ فأي مسلم يضطهد فقضيته قضيتك، وهمه همك، ونصرته واجبة على بقية المسلمين، سواء كانت بالقول أم المال أم الموقف السياسي أم الدعم المعنوي أم مطالبة الجهات الحقوقية بالتحرك.

فالشعوب الإسلامية والحكومات وفق هذه المنظومة العالمية لها تأثير؛ فمقاطعة المنتجات التجارية والوقفات الاحتجاجية ونقض الاتفاقيات له تأثير في القرار السياسي لأي دولة.

فيجب على المسلمين اليوم نصرة إخوانهم في آسام، وعدم التخلي عنهم ولو بالدعاء.

;