منظومة القيم… المفهوم والتأسيس المعرفي والأنواع

بقلم: د. خالد فهمي

يدور المعنى المحوري للأصل الذي تولد منه مصطلح «القيم» حول معنى الاستقامة والاستواء والاعتدال بالأساس والحفظ والصيانة على ما تقرره المعجمية العربية.

وتعرف الدراسات المعاصرة مصطلح منظومة القيم بأنه (مجموعة المبادئ والقواعد المتناسقة والمترابطة بعضها مع بعض ضمن إطار واحد يهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف المنشودة من الإنسان والمجتمع).

وتأمل هذا التأصيل اللغوي من جانب والمفهوم الاصطلاحي من جانب آخر يكشف عن حضور واضح للأبعاد المعرفية بوصف المبادئ مجموعة من الأفكار، وعن حضور واضح أيضاً للأبعاد العملية التطبيقية بوصف الغايات الحاكمة التي تسعى إلى استقامة السلوك، وضبط حركة الوجود الحي.

والحقيقة أن هذا المصطلح (منظومة القيم) يدخل في علاقة ترادف مع مصطلح منظومة الأخلاق بوصفها مجموعة المبادئ والقواعد الضابطة للسلوك الإنساني في الحياة، بوصف الإنسان كائناً مكرماً منوطاً به تحقيق العمران في الحياة.

ولكن المفهوم عند الإطلاق يتوجه إلى جملة الفضائل التي يجب أن يحوزها الإنسان في نفسه وجملة الرذائل التي يجب أن يتجنبها المرء ويتجافى عنها.

وتتعدد أنواع منظومات القيم وتقسيماتها تبعاً لاعتبارات كثيرة جداً، تتوزع على المصادر المؤسسة، والغايات والأهداف.

إن الحقيقة تقرر أن منظومة القيم عند إطلاقها تستدعي قيداً مسكوتاً عنه، لكنه حاضر بالقوة، وهذا القيد هو في الإسلام أو الوصف الإسلامي، بمعنى أن التثاقف إنما هو حول منظومة القيم الإسلامية، وعند هذه النقطة تتعالى المرجعية العليا في الإسلام هي المصدر المركزي الذي يؤسس منظومة القيم وهذه المرجعية العليا هي:

أولاً: الكتاب العزيز، الذي يتحرك نحو إقامة الهداية في النفوس بوصفها الترجمة العلمية والعملية لمنظومات القيم الإنسانية في المجال الإسلامي.

ثانياً: السُّنة والسيرة النبوية بوصفها النطاق العملي الذي مورست وطبقت فيه مجموعات الأصول التي جاء بها الكتاب العزيز على أرض الواقع.

ومراجعة مدونة السُّنة النبوية الشريفة كاشفة عن هذا الحضور المؤسس لمنظومة القيم بوصفها أعلى المعايير التي تمنح الإنسان في النسق الإسلامي ماهيته الأساسية، فقد جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي في سنده (4/ 362) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء».

وينتج من تأمل هذين المصدرين المركزيين أن منظومة القيم بوصفها مجموعة المبادئ تتسم بالثبات والاستقرار من حيث هما مصدران ثابتان، وتتسم بالغائية أو الدوران حول مفهوم الربانية بوصف الله تعالى هو غاية الغايات التي يتوجه إليها الإنسان المسلم في حركته في الحياة إخلاصاً له من جانب، ورجاءً فيما عنده من الأجر والثواب والفوز بالجنة واحتياز السعادة في الآخرة من جانب آخر.

وتنهض مجموعة مؤسسات أخرى بوظيفة إقامة هذه المنظومة في النفس المسلمة؛ أي بوظيفة الوسائل التي ترسخ منظومة القيم في النفوس وترعاها وتتعهدها وتدرب وتربي عليها، وتقوّم ما عساه يتسرب إليها مما يصيبها من أمور تشغب عليها أو تشوهها وتنحرف بها عن مساراتها المقصودة.

وهذه الوسائل هي:

أولاً: الأسرة بوصفها مقصداً قرآنياً ومحضناً بالغ الخطر والتأثير.

ثانياً: المؤسسات التعليمية (الروضة فما فوقها)؛ بوصف أن التعليم هو المصنع الحضاري الذي يبني منظومة القيم، ويتعهدها بالتقوى والرعاية.

ثالثاً: المجتمع بكل تجلياته ومؤسساته؛ ذلك أن المجتمع بدءاً من الأسرة الكبيرة الممتدة، والأصدقاء والجيران ومجموعات المعلمين ووسائل الإعلام، والترفيه، وما إلى ذلك تمثل سبيلاً بالغ الأهمية في تعهد منظومة القيم بالرعاية والضبط والتقويم المستمر، والتفعيل والتشغيل الحضاري الدائم.

ويقسم العلم منظومة القيم تبعاً لاعتبارات قيامها في النفس معرفة وسمات والتحرك بها سلوكا عملياً في الحياة قسمين، هما:

أولاً: القيم النظرية التي هي جملة المبادئ أو المعتقدات أو المعارف الحاكمة التي تحكم رؤية الإنسان للحياة، وتحكم إدراكه ووعيه.

ثانياً: القيم العملية أو التطبيقية التي هي جمل السلوك والأعمال التي يمارسها المسلم في ميادين الحياة، أو جعل المواقف العملية التي يتخذها الإنسان المسلم بناء على معتقداته ومعارفه ومنظومة قيمه النظرية.

لقد تحرك الوعي الإسلامي العملي فأحاط منظومة القيم بقدر هائل من الرعاية كان من نتائجه الحقائق التالية:

أولاً: تمثل منظومة القيم الترجمة العلمية والعملية للإيمان بالله وتوحيده، ذلك أن المسلم يتحرك في الوجود محكوماً بثوابت إيمانه بالله، وملخص هذه الترجمة يقول: إن الإنسان المسلم يسعى في الوجود مأموراً بطاعة الله، وقمة مفهوم الطاعة هو الاستخلاف؛ أي أن الله الرحيم يريد من عبده أن يكون رحيماً، وأن الله الشاكر يريد لعبده أن يكون شاكراً، وأن الله الرزاق يريد لعبده أن يكون سبباً في رزق عباد الله، وأن الله الجبار يريد لعبده أن يجبر كسر أخيه الإنسان، وأن يساعد مناطق الضعف الإنساني.

ثانياً: تمثل منظومة القيم الترجمة العملية لمفهوم التأنس والتزكية بوصفها المقصد الأعلى الثاني في النسق الإسلامي.

وكلما كان التأنس أو كانت التزكية ترجمة عملية لتحصيل التوحيد الإيجابي في النفس كانت فعالية منظومة القيم في خلق نماذج بشرية صانعة للخير، وصانعة للبهجة.

ثالثاً: تمثل منظومة القيم الإطار الضابط للعمران بوصفه المقصد الأعلى الثالث في التصور الإسلامي، والغاية المترجمة بحق عن الإيمان بالله عن تحصيل منظومة القيمة المنبثقة منه، ذلك أن الله يقول(هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود: 61)، والامتنان لهذا الإنشاء من جانب، والاستجابة لأمور الإعمار وتكليفاته من جانب آخر، هما من استجابة الأنواع الكثيرة المتفرعة عن منظومة القيم الإسلامية، فصار لدينا قيما فردية تميز المسلم وتمنحه شخصيته المائزة عن غيره، وتحكم خياراته ومواقفه العملية بما تجعله كائناً فريداً على الحقيقة، وصارت لدينا قيم اجتماعية تسعى إلى خدمة الخلق، وصارت لدينا قيم وطنية تفرض الانتصار للأوطان وحمايتها والبذل من أجلها.

وتحليل تراث القيم أو الأخلاق في الحضارة العلمية الإسلامية يكشف عن ظهور عناية باذخة بخطاب منظومة القيم تراه في ذلك التنوع المثير للعلوم التي نهضت بخدمتها، من مثل:

أولاً: علم التزكية أو التصوف السُّني.

ثانياً: علم الدعوة والوعظ.

ثالثاً: علم الفلسفة في فرع علم الأخلاق وتهذيبها.

رابعاً: علم التربية وتراث مصنفات التعليم.

وقد أنتجت وجوه العناية بمنظومة القيم في الإسلام باباً جليلاً ضابطاً لحركة العمران في الحياة توجه نحو التطبيق والممارسة العملية يمكن تسميته بالقيم التطبيقية أو الأخلاق التطبيقية ترجم عنها هذا التراث العريق مرتين، هما:

أ- ترجمة عامة مستوعبة في مصنفات الحسبة، وكتب الوظائف في الحضارة الإسلامية بوصفها طريقاً لإعادة النعم وإبادة النقم، على حد تعبير السبكي في «معيد النعم ومبيد النقم»، وهو دليل عملي لحزم القيم والأخلاق في الحياة.

ب- ترجمة منفصلة مستقلة تختص بفحص القيم التطبيقية لكل حقل أو مجال بعينه، فظهر عندنا كتب لأخلاق الطبيب، وأخلاق المعلم، وأخلاق المريد.. إلخ.

إن منظومة القيم في الإسلام مفهوماً وماهية وتقسيمات هي الترجمة الواعية للإيمان العملي.

Contact Us

Subscribe to our Newsletter

@2023 – All Right Reserved. Designed and Developed by AATWorld

About Us

Here in the AAT Group, Traders, Businessmen, Manufacturers, Importers, and Exporters get to know each other and cooperate despite the distances, countries, and different languages.

Feature Posts

Newsletters

Never Miss an Offer

Join our mailing list to receive the latest product news and industry updates from AAT World.

@2023 – All Right Reserved. Designed and Developed by AATWorld