التغيير سُنة من السنن التي أودعها الله كونه، تحفظ ميزان القوى على الأرض، وذلك منعاً لاستفحال الظلم، فإذا ما انتشر الفساد وغابت الأخلاق وعم الاستبداد، أذن الله عز وجل بالتغيير ليتوقف هذا الظلم وتتجدد الحياة على الأرض، فيستبدل الله عز وجل أمة بأمة بأخرى، يقول تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة: 251)، ويقول سبحانه: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز) (الحج: 40).
وهناك أسباب تعجل بعملية التغيير الحضاري بين الأمم والحضارات، ومن هذه الأسباب:
أولاً: سُنة الله في التغيير والتداول الحضاري:
لنتخيل إذا كان الثبات صفة المجتمعات والحضارات، وأنه حين تتمكن حضارة ما من زمام الأمور، فلا سبيل لتغيير تلك الحضارة مهما كانت الأسباب، لا شك أن الأمر جد عسير، لا سيما إذا علمنا أن الإنسان إذا اطمأن لبقاء المسؤولية تحت يده، طغت نفسه وساءت أخلاقه، فترى القوي يأكل الضعيف، والغني يفترس الفقير، والكبير يقضي على الصغير، إلا من رحم الله.
لكن سنة الله في التداول اقتضت أن الحضارات كالإنسان لها عمر زمني ثم تضعف وتهرم ثم تموت.
يقول ابن خلدون: «إذا كان الهرم طبيعياً في الدولة كان حدوثه بمثابة حدوث الأمور الطبيعية كما يحدث الهرم في المزاج الحيواني، والهرم من الأمراض المزمنة التي لا يمكن دواؤها ولا ارتفاعها لما أنه طبيعي، والأمور الطبيعية لا تتبدل»، وخصص في «المقدمة» فصلاً منفرداً «في أن الدول لها أعمار طبيعية كما للأشخاص».
والقرآن الكريم أسس لمبدأ التغيير، ولم تستثن تلك السنن أمة من الأمم أو حضارة من الحضارات، والتاريخ زاخر بآثار أمم كانت قوية، وسقطت حين غاب العدل عنها، يقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11)، وهذه الآية ليست حكماً شرعياً، أو آية وعظية، وإنما تمثل قاعدة حضارية، تقرر أن التغيير مربوط بالفعل والسلوك الإنساني من الطاعة للمعصية والعكس.
ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم هذه القاعدة فيقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» (رواه أبو داود)، فالانحطاط الحضاري يحدث نتيجة الخلل الداخلي وليس التآمر الخارجي، وكي تخرج الأمة من حالة الضعف والهوان والوهن، عليها أن تعود أولاً إلى دينها كله وليس جزءاً منه دون آخر، وهو شرط التغيير الحضاري.
ثانياً: تضارب العلاقة بين القيم والأخلاق مع الواقع:
من أهم الأسباب الدافعة إلى عمليات التغيير الكبرى في التاريخ غياب جملة الأخلاق اللازمة لتحريك المجتمعات نحو قيم الخير والعدل والرحمة وكرامة الإنسان، فإن غابت هذه القيم أو اختل توازنها، أو توقفت عند كونها مجرد شعارات فارغة لا تحمل مضموناً عملياً، أذن الله عز وجل بالتغيير.
وقد كانت رسالة الإسلام في أساسها لهذا الغرض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (أخرجه أحمد)، فحين تنفصل السياسة عن العدالة، والأمانة عن الاقتصاد، والعلم عن التربية، يصاب المجتمع بالوهن، ويفقد مرونته وقدرته على السير نحو أهدافه الربانية التي نال مكانته من حمله لأمانتها.
إن التغيير يلزمه عمل مسبق يجب أن تعمل عليه الأمة لنبذ ما بليت به من أخلاق تخالف تعاليم هويتها الأصيلة، يقول الشيخ محمد الغزالي: «لا تنجح رسالة أو تزدهر حضارة أو تسبق أمة إلا إذا وقع تغيير جذري في كيان هذه الأمة السابقة المتفوقة، أو تلاقت خصائص مادية وأدبية في مقومات تلك الرسالة الناجحة والحضارة المزدهرة.. نعم، فصعود الجماعات أو هبوطها لا يتم وفق حظوظ عمياء أو مصادفات طارئة! بل للمد والجزر علل كامنة إن غابت عن العين المجردة فلن تغيب عن البصائر الحادة والعقول الثاقبة».
ويؤكد القرآن الكريم هذا المعنى البنائي في قوله تعالى: (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف: 3)، فالقول بغير فعل، لا يمثل خللاً أخلاقياً فقط، وإنما سبب كبير في سقوط الأمة حضارياً، ولن تعود حتى تستعيد قيمة الخلق، وقيمة القول، وقيمة الفعل.
ثالثاً: تراجع الإنسان الحضاري من موقع الفاعلية إلى موقع التبعية:
بعض الناس يخلطون في كنه الحضارة بين الإنسان وما أنتجته يداه، فالحضارة في حقيقتها هي الإنسان، قبل أن تكون العمران، وحين يتحول الإنسان من منتج للحضارة، لمجرد مستهلك لحضارة غيره، هنا وجب التغيير، يقول تعالى في وصف المؤمنين: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (آل عمران: 139)؛ أي العاقبة لكم أيها المؤمنون(4)، والمسلم لا يليق به أن يكتفي بمشاهدة ما يدور حوله في العالم، بعيداً عن موقع المسؤولية والريادة، مجرد تابع للغير بغير هدى أو إدراك، فمن كان هذا وضعه فليس من حقه أن يتحدث عن تغيير إلا أن يبدأ بنفسه ليعيد بناءها أخلاقياً وروحياً وفكرياً.
رابعًا: ضغط التحولات العالمية وضرورة حفظ الهوية:
ليست الهوية الإسلامية وحدها التي تتعرض لضغوط العولمة بصورة متسارعة، وإنما تتعرض كذلك الهويات الغربية التي كانت تتمسك ولو ظاهراً بتعاليم الكنيسة في أوروبا، حتى ظهرت العولمة والعلمانية كافة المرجعيات السماوية وبالطبع في عمقها الإسلام، باعتبار أنه الدين السماوي الوحيد الذي ما زال يحمل منهاجاً لصناعة الحياة بشكل كامل ومحفوظ من قبل الله تعالى وهو القائل: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر 9)، فقد تعرض وما زال لحملة شعواء حول أحكامه بالتشكيك فيها ومحاولة النيل منها بالحرب على السُّنة ومحاولة إنكارها.
ولذلك فقد أصبح هناك ضرورة للعمل على تسريع عملية التغيير الحضاري دفاعاً عن مقدسات الأمة في المقام الأول، ثم إنقاذاً للعالم في المقام الثاني، العالم المهدد بأن يأكل بعضه بعضاً عبر الحروب التي تهدده والأمراض المصنوعة التي تسيطر عليه، ولم يعد له أمل إلا أن تتحرك أمة الإسلام وتدرك مكانتها وتقوم بمهمتها الحضارية المنوطة بها، يقول تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: 143)، ويختلط معنى الوسطية عند البعض فيحسبوها على الدين، وإنما الإسلام وصفها بدقة، وأن الوسطية صفة للأمة وليست للدين، فالدين واحد وهو الإسلام.
إن من يعمل على تغيير حال الأمة فليطمئن أن هذا الدين باق، وأن أمته ولو وهنت فسوف تعود، لأن الإسلام أتى ليبق لا ليستبدل، وأتى ليهيمن، وأن علينا فقط أن نوقظ ذلك المارد الكامن ونوقظ فيه عقيدته وهويته ليعود بالمكانة التي خلق لها.


