بقلم: د. مجدي سعيد
مع إطلالة العام الجديد، يطالع القارئ عناوين الأخبار في عالم اليوم، أخبار تبدو منفصلة عن بعضها، لكنها تدل على طبيعة العالم الذي نعيشه اليوم؛ فرئيس الولايات المتحدة يعلن عن اختطاف قوات بلاده لرئيس دولة مستقلة ذات سيادة ونقله إلى خارج بلاده، آليات الكيان الصهيوني تتوغل بريف القنيطرة السورية، عبث في محيط باب المندب شرقه وغربه، الشرطة البريطانية تعتقل كفيفاً بريطانياً أبيض قعيداً على كرسي متحرك لأنه كان يحمل لافتة تقول: «أنا ضد الإبادة».
كل هذا وغيره من عناوين لعالم تسوده البلطجة، وليس فيه مكان لقانون ولا أخلاق، عالم يؤكد معنى أن الحق لا بد له من قوة تحميه، وهذه القوة التي تحميه لا يقف واجب بنائها على الحكومات وحدها، لكنه يتعداه إلى الشعوب، هذا إذا أرادت أن تصون كرامتها وحريتها واستقلال بلادها.
في هذا المقال، نتحدث عن بعض مسارات بناء تلك القوة لدى الشعوب:
أولاً: الحفاظ على الأمل والروح المعنوية والتماسك الاجتماعي:
في ظل اختلال موازين القوى والصراعات والبلطجة العالمية اليوم، يبقى الحفاظ على الأمل في غد أفضل، وحماية الروح المعنوية لشعوبنا، والحفاظ على تماسكها في وجه هجمة الباطل؛ واجباً يحافظ على الأساس المتين للوقوف في وجه ما يحدث، وهذا لن يتأتى إلا بالحفاظ على الصلة القوية بالله، والعمل الناشط على بث الأمل، والروح الإيجابية، وتعظيم كل ما من شأنه أن يفعل ذلك.
وفي المقابل، علينا علاج كل أسباب الوهن النفسي والتفسخ الاجتماعي مهما بدا أنه لا صلة له بالقضايا الرئيسة، فكل اكتئاب أو إحباط أو تخوخ نفسي، وكل فساد في العلاقات الاجتماعية؛ يؤثر بلا شك في قوة الشعوب النفسية، وهنا لا بد لكتائب العمل النفسي والاجتماعي والقيمي والأخلاقي أن تنشط ليس فقط لعلاج الآثار السلبية للواقع، ولكن أيضاً للوقاية من الوهن الذي قد يصيب الناس نتيجة لما يجري حولنا.
ثانياً: الإلهام بالأفكار المبتكرة:
هي الأفكار التي تساهم في تحسين جميع جوانب حياتنا في عالم الأشياء، سواء في ذلك الابتكار في تحسين جوانب حياتنا الاجتماعية أو الاقتصادية أو البيئية أو العلمية أو التعليمية.
ففي ظل عالم الاستبداد الذي تعيش فيه الكثير من الشعوب تركد الأفكار، وتتحول المجتمعات إلى ما يشبه البركة الآسنة العفنة التي لا يدخل في عقول أبنائها أي هواء منعش للأفكار، وفي ظل حالة الترف الذي تعيشه قطاعات من شعوبنا، التي يتحول فيه البعض إلى كائنات استهلاكية متراخية، منتفخة الجيوب والبطون، لا يشغل بالها شيء نافع أو مفيد أو مبتكر يحسن حياتنا.
ثالثاً: التعليم والتدريب المستمر:
إذ علينا أن نعترف أن الفجوة بين من يمتلكون أسباب القوة ومن يفتقرون إليها إنما جاءت بسبب تفوق الأولين منهم على الآخرين بما يمتلكونه من علوم ومعارف ومهارات وخبرات وقدرات وتوجهات إيجابية تسهم في بناء قوة الأفراد والشعوب، وعليه فإن كل قادر عليه أن يقوم بتعليم وتدريب غيره بكل ما يستطيع.
ومجالات التعليم والتدريب يجب أن تتسع لكافة مجالات الحياة، فليس هناك مجال أقل أهمية من آخر، وما ينقص بلادنا من أجل امتلاك أسباب القوة كثير، في مقابل ما يمتلكه أعداء الأمة وأعداء بلادنا وأعداء الإنسانية منها.
رابعاً: التحول من الاستهلاك إلى الإنتاج:
فمن مقومات بناء القوة، القوة الاقتصادية، وإذا ظلت بلادنا تعتمد على استهلاك ما تنتجه بلاد العالم من القلم الرصاص والممحاة إلى آلات الحرب والدفاع، وما بين ذلك من غذاء ودواء وكساء، فإنها تحكم على نفسها بالبقاء رهينة لإملاءات غيرها.
وبناء المصانع والشركات التي تنتج كل ما نحتاج إليه يتطلب أن تكون لدينا قاعدة من التعليم والعلوم والتكنولوجيا تترجمها تلك الشركات من أفكار وتصميمات إلى منتجات تحل المشكلات وتلبي الاحتياجات، وهذا كله يحتاج إلى علم في الإدارة، وهذا مما تستطيعه الشعوب إذا وعت لدورها.
خامساً: السعي لامتلاك المتاح من أسباب القوة:
هناك من أسباب القوة ما هو متاح للأفراد، في ظل المتاح قانوناً، والقوة لا تعني فقط القوة البدنية، بل تبدأ كما قلنا من القوة النفسية والأخلاقية بالنسبة للأفراد، وقوة التماسك الاجتماعي، على مستوى المجتمعات، مروراً بالقوة المعرفية والإدارية والعلمية والتكنولوجية والاقتصادية، وبداية ونهاية بالقوة العسكرية بالنسبة للدول، التي لا بد أن تشارك الشعوب في بنائها، حتى لا تظل أراضي وثروات وإرادات بلادنا كلأ مباحاً لكل مجرم يتبجح بأن يلقي علينا دروساً في الحضارة والديمقراطية وحقوق الإنسان، واحترام القانون وهو من كل ذلك براء، أو يظهر علينا بحلة مزركشة بما يشي كذباً بكل ذلك.
سادساً: الوعي والإرادة:
يبقى أن كل ذلك يقتضي من الجميع التسلح بالوعي، ومعرفة الذات الحضارية ومعرفة العدو وأساليبه وأسباب قوته، والتحلي بالإرادة التي تدفعنا للعمل من أجل الخروج من حالة الضعف والهوان والخنوع، ومن حالة الاستقلال المنقوص أو الموهوم التي تعيش فيها بلادنا إلى حالة بناء المجتمعات والبلدان القوية، التي تمسك بكل أسباب القوة، إما على المستوى القُطري، أو على مستوى بلدان الأمة في نظام تكاملي وتعاضدي يشبه تجربة الاتحاد الأوروبي، والله أعلم.


