بقلم: محمد رقيب أوغلو
عندما يُذكر اسم تركيا في السنوات الأخيرة، يتبادر إلى الذهن أولاً نجاحاتها في السياسة الخارجية؛ مثل استضافة قمة «الناتو» في أنقرة، والمبادرات الدبلوماسية في سورية وغزة، والدور الإقليمي في الوساطة. تُناقَش تركيا اليوم بوصفها فاعلاً متزايد الثقل، قادراً على مواكبة التحديات والتحولات السياسية العالمية بسرعة، لكن خلف هذا الحضور اللافت في السياسة الخارجية، يبقى سؤال أقل بروزاً: كيف يتشكّل الاقتصاد الذي يحمل هذه السياسة الخارجية النشطة من الداخل؟ وهل هذا النموذج الذي يحافظ على النمو رغم التضخم المرتفع نموذج متين حقاً، أم أنه نجاح مؤقت ناتج عن حزم سياسي؟
العيش داخل تناقض نظري… التضخم والنمو
تفترض النظرية الاقتصادية الكلاسيكية أن السياسة النقدية المشددة والنمو الاقتصادي لا يمكن أن يجتمعا لفترة طويلة، فحين رُفعت فائدة البنك المركزي من 8.5% إلى 50%، كان المتوقع أن يشهد الاقتصاد تباطؤاً حاداً، غير أن الاقتصاد التركي واصل النمو؛ 5.1% عام 2023م، و3.2% عام 2024م، و3.6% عام 2025م، بينما تراجع التضخم من ذروته التي بلغت نحو 75% في منتصف عام 2024م إلى مستوى 31% في نهاية عام 2025م. ورغم أن هذا المشهد يمنح الحكومة سنداً لخطابها القائل بأنه «لا تناقض بين التضخم والنمو»، فإنه في الواقع يكشف عن تفاعل عدة آليات في آن واحد؛ انتعاش القطاع الزراعي، وضبط الإنفاق العام، واستخدام سياسة الدخول (زيادات الحد الأدنى للأجور) كمرساة، وقدرة الاقتصاد غير المسجَّل على تنشيط الطلب الداخلي، مجموع هذه العوامل يخلق توازناً يؤجل الركود لكنه يحمل هشاشة كامنة؛ لذا فإن هذا المشهد ليس استثناءً نظرياً، وإنما توازن جزئي وهش مدعوم بخيارات سياسية.
الحزم السياسي وإدارة الأخطار متعددة الأبعاد
خلف هذا المشهد الاقتصادي، يقف قرار إستراتيجي اتخذه الرئيس رجب طيب أردوغان مباشرة بعد فوزه الانتخابي عام 2023م؛ تسليم إدارة الاقتصاد إلى محمد شيمشك، الاسم الذي تثق به الأسواق الدولية، وتسليم السياسة النقدية إلى فاتح كاراهان. هذا التسليم كان يعني تحمّل تبعات قرارات مكلفة على المدى القصير، مثل رفع الفائدة، ويمكن قراءة هذا الخيار في نقطة تلتقي فيها العقلانية الاقتصادية مع الحسابات السياسية بعيدة المدى؛ إذ يبدو أن الأخطار الاقتصادية الكلية الناتجة عن تأخر مكافحة التضخم قد قُدِّرت بأنها أثقل من التكاليف القصيرة الأمد. وبما أن النمو والتوظيف يُعدّان من المؤشرات الأساسية للاستقرار الاقتصادي، فقد اختارت الحكومة عدم اعتماد التشديد النقدي وحده كهدف نهائي، بل إدارته بتوازن مع النمو؛ ولهذا جرى تعديل بعض الإجراءات الضريبية التي اقترحها شيمشك من حين لآخر، ولم يُخفَّض الإنفاق العام بشكل كامل. والنتيجة نموذج إدارة هجين، يُعاد ضبطه باستمرار بين الانضباط الفني والقيود الواقعية للاقتصاد السياسي، ومنطق هذا النموذج إنتاج الاستقرار ليس فقط عبر أرقام التضخم، بل أيضاً عبر موازنة النمو والتوظيف؛ إذ إن التشديد الأحادي البُعد كان يمكن أن يخفض التضخم أسرع، لكنه كان سيحمل أخطاراً أخرى كالانكماش الاقتصادي وارتفاع البطالة. من هذه الزاوية، يمكن اعتبار السياسة المتبعة محاولة لإدارة أخطار متعددة الأبعاد، غير أن لهذا التوازن كلفته؛ الفجوة بين الحد الأدنى للأجور وخط الفقر تتسع، وعدم المساواة في الدخل يتعمّق، والانعكاس الاجتماعي لأرقام النمو لا يتحسن بالسرعة نفسها على مستوى الأسر، وهذا ما يجعل استدامة النموذج، خاصة مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، عرضة للاختبار اقتصادياً.
موقع تركيا كفاعل اقتصادي إقليمي
لا تقتصر القصة الاقتصادية لتركيا على التوازن الداخلي فقط؛ فالبلاد تعيد أيضاً تموضعها كقوة اقتصادية إقليمية، فموقعها الجغرافي كنقطة عبور رئيسة للطاقة نحو أوروبا، وقربها من موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط، يمنحانها ميزة إستراتيجية. كما أن مسار التحول في سورية وإعادة إعمار غزة يفتحان مجالاً اقتصادياً مهماً لقطاعي البناء والصناعة التركيَّيْن، وهو مثال ملموس على تحوّل الدور النشط في السياسة الخارجية إلى مردود اقتصادي. وفي الوقت نفسه، تمنح العلاقات الاستثمارية المتنامية مع دول الخليج -السعودية والإمارات وقطر- تركيا تدفقات رأسمالية مباشرة وفرصة لتوازن سياسي إقليمي. أما المصداقية الدولية التي أُعيد بناؤها في عهد إدارة شيمشك، مدعومة بتعاون معزّز مع البنك الدولي والبنك الإسلامي للتنمية وجهات مماثلة، فتجعل تركيا وجهة أكثر موثوقية في نظر المستثمرين الدوليين. وهكذا تحاول تركيا استكمال ثقلها الأمني والدبلوماسي الذي أظهرته في قمة «الناتو» الأخيرة، بادعاء أن تكون أيضاً مركز جذب اقتصادي في المنطقة.
الخاتمة
تُظهر التجربة التركية أن السياسات الاقتصادية ليست يوماً مسألة فنية بحتة، بل هي دائماً جزء من حسابات سياسية أوسع. فتولي فريق تكنوقراطي مسؤولية القرارات الصعبة، خفّض من أخطار عدم الاستقرار على المدى القصير، ونقل تركيا إلى موقع شريك اقتصادي أكثر موثوقية في محيطها الإقليمي، غير أن هذا الاستقرار ليس بلا كلفة اجتماعية؛ واستدامته لا تزال قيد الاختبار، سواء على مستوى التوازن الاقتصادي الداخلي أو في ضوء الاستحقاق الانتخابي المقبل.
عندما يُذكر اسم تركيا في السنوات الأخيرة، يتبادر إلى الذهن أولاً نجاحاتها في السياسة الخارجية؛ مثل استضافة قمة «الناتو» في أنقرة، والمبادرات الدبلوماسية في سورية وغزة، والدور الإقليمي في الوساطة. تُناقَش تركيا اليوم بوصفها فاعلاً متزايد الثقل، قادراً على مواكبة التحديات والتحولات السياسية العالمية بسرعة، لكن خلف هذا الحضور اللافت في السياسة الخارجية، يبقى سؤال أقل بروزاً: كيف يتشكّل الاقتصاد الذي يحمل هذه السياسة الخارجية النشطة من الداخل؟ وهل هذا النموذج الذي يحافظ على النمو رغم التضخم المرتفع نموذج متين حقاً، أم أنه نجاح مؤقت ناتج عن حزم سياسي؟
العيش داخل تناقض نظري… التضخم والنمو
تفترض النظرية الاقتصادية الكلاسيكية أن السياسة النقدية المشددة والنمو الاقتصادي لا يمكن أن يجتمعا لفترة طويلة، فحين رُفعت فائدة البنك المركزي من 8.5% إلى 50%، كان المتوقع أن يشهد الاقتصاد تباطؤاً حاداً، غير أن الاقتصاد التركي واصل النمو؛ 5.1% عام 2023م، و3.2% عام 2024م، و3.6% عام 2025م، بينما تراجع التضخم من ذروته التي بلغت نحو 75% في منتصف عام 2024م إلى مستوى 31% في نهاية عام 2025م. ورغم أن هذا المشهد يمنح الحكومة سنداً لخطابها القائل بأنه «لا تناقض بين التضخم والنمو»، فإنه في الواقع يكشف عن تفاعل عدة آليات في آن واحد؛ انتعاش القطاع الزراعي، وضبط الإنفاق العام، واستخدام سياسة الدخول (زيادات الحد الأدنى للأجور) كمرساة، وقدرة الاقتصاد غير المسجَّل على تنشيط الطلب الداخلي، مجموع هذه العوامل يخلق توازناً يؤجل الركود لكنه يحمل هشاشة كامنة؛ لذا فإن هذا المشهد ليس استثناءً نظرياً، وإنما توازن جزئي وهش مدعوم بخيارات سياسية.
الحزم السياسي وإدارة الأخطار متعددة الأبعاد
خلف هذا المشهد الاقتصادي، يقف قرار إستراتيجي اتخذه الرئيس رجب طيب أردوغان مباشرة بعد فوزه الانتخابي عام 2023م؛ تسليم إدارة الاقتصاد إلى محمد شيمشك، الاسم الذي تثق به الأسواق الدولية، وتسليم السياسة النقدية إلى فاتح كاراهان. هذا التسليم كان يعني تحمّل تبعات قرارات مكلفة على المدى القصير، مثل رفع الفائدة، ويمكن قراءة هذا الخيار في نقطة تلتقي فيها العقلانية الاقتصادية مع الحسابات السياسية بعيدة المدى؛ إذ يبدو أن الأخطار الاقتصادية الكلية الناتجة عن تأخر مكافحة التضخم قد قُدِّرت بأنها أثقل من التكاليف القصيرة الأمد. وبما أن النمو والتوظيف يُعدّان من المؤشرات الأساسية للاستقرار الاقتصادي، فقد اختارت الحكومة عدم اعتماد التشديد النقدي وحده كهدف نهائي، بل إدارته بتوازن مع النمو؛ ولهذا جرى تعديل بعض الإجراءات الضريبية التي اقترحها شيمشك من حين لآخر، ولم يُخفَّض الإنفاق العام بشكل كامل. والنتيجة نموذج إدارة هجين، يُعاد ضبطه باستمرار بين الانضباط الفني والقيود الواقعية للاقتصاد السياسي، ومنطق هذا النموذج إنتاج الاستقرار ليس فقط عبر أرقام التضخم، بل أيضاً عبر موازنة النمو والتوظيف؛ إذ إن التشديد الأحادي البُعد كان يمكن أن يخفض التضخم أسرع، لكنه كان سيحمل أخطاراً أخرى كالانكماش الاقتصادي وارتفاع البطالة. من هذه الزاوية، يمكن اعتبار السياسة المتبعة محاولة لإدارة أخطار متعددة الأبعاد، غير أن لهذا التوازن كلفته؛ الفجوة بين الحد الأدنى للأجور وخط الفقر تتسع، وعدم المساواة في الدخل يتعمّق، والانعكاس الاجتماعي لأرقام النمو لا يتحسن بالسرعة نفسها على مستوى الأسر، وهذا ما يجعل استدامة النموذج، خاصة مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، عرضة للاختبار اقتصادياً.
موقع تركيا كفاعل اقتصادي إقليمي
لا تقتصر القصة الاقتصادية لتركيا على التوازن الداخلي فقط؛ فالبلاد تعيد أيضاً تموضعها كقوة اقتصادية إقليمية، فموقعها الجغرافي كنقطة عبور رئيسة للطاقة نحو أوروبا، وقربها من موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط، يمنحانها ميزة إستراتيجية. كما أن مسار التحول في سورية وإعادة إعمار غزة يفتحان مجالاً اقتصادياً مهماً لقطاعي البناء والصناعة التركيَّيْن، وهو مثال ملموس على تحوّل الدور النشط في السياسة الخارجية إلى مردود اقتصادي. وفي الوقت نفسه، تمنح العلاقات الاستثمارية المتنامية مع دول الخليج -السعودية والإمارات وقطر- تركيا تدفقات رأسمالية مباشرة وفرصة لتوازن سياسي إقليمي. أما المصداقية الدولية التي أُعيد بناؤها في عهد إدارة شيمشك، مدعومة بتعاون معزّز مع البنك الدولي والبنك الإسلامي للتنمية وجهات مماثلة، فتجعل تركيا وجهة أكثر موثوقية في نظر المستثمرين الدوليين. وهكذا تحاول تركيا استكمال ثقلها الأمني والدبلوماسي الذي أظهرته في قمة «الناتو» الأخيرة، بادعاء أن تكون أيضاً مركز جذب اقتصادي في المنطقة.
الخاتمة
تُظهر التجربة التركية أن السياسات الاقتصادية ليست يوماً مسألة فنية بحتة، بل هي دائماً جزء من حسابات سياسية أوسع. فتولي فريق تكنوقراطي مسؤولية القرارات الصعبة، خفّض من أخطار عدم الاستقرار على المدى القصير، ونقل تركيا إلى موقع شريك اقتصادي أكثر موثوقية في محيطها الإقليمي، غير أن هذا الاستقرار ليس بلا كلفة اجتماعية؛ واستدامته لا تزال قيد الاختبار، سواء على مستوى التوازن الاقتصادي الداخلي أو في ضوء الاستحقاق الانتخابي المقبل.


