وحدة المصالح قبل العواصف… سوق إسلامية مشتركة

بقلم: د. علي شيخون

 

العواصف لا تُعلن عن موعدها، لكنها دائماً تُخلّف أثرها الأعمق فيمن لم يستعد لها، والتاريخ لا يرحم الأمم التي تنتظر الكارثة لتتّحد لأن الكارثة حين تضرب تفرض عليك فقط الاختيار بين الصمود والانهيار ولا تترك مساحة للبناء… اليوم والحروب التجارية تُعيد رسم خرائط النفوذ العالمي بلا رحمة، والكتل الاقتصادية الكبرى تُحكم قبضتها على مفاصل الاقتصاد الدولي، والدولار والبنية المالية الغربية تُستخدم سلاحاً قبل أن تُستخدم أداة، يقف العالم الإسلامي أمام لحظة فارقة نادراً ما تتكرر أن يختار وحدة مصالحه وهو لا يزال يملك هامش الاختيار، قبل أن تنتزعه منه العواصف القادمة وتُجبره على التكتل من موقع الجريح لا القوي. السوق الإسلامية المشتركة رهان البقاء في عالم لم يعد يُكافئ المنفردين، وليس هذا بغريب على أمة كان أبناؤها يضربون في الأرض شرقاً وغرباً حتى ربطوا الأندلس بالصين في أعظم شبكة تجارية عرفها العالم القديم، لم تحتج إلى جيوش تحميها بقدر ما احتاجت إلى كلمة تُصدَّق وأمانة تُحترم..

 

 إمكانات وطاقات بشرية هائلة

57 دولة تحت سمائها ما يزيد على مليار و900 مليون إنسان، وفي باطن أرضها النصيب الأوفر من احتياطيات النفط والغاز والمعادن الإستراتيجية، وعلى سطحها مساحات زراعية شاسعة تكفي لإطعام قارات، وفي عقول أبنائها طاقة بشرية هائلة لا تزال في معظمها تبحث عن سوق تستوعبها، ومع كل هذا الثقل لا تتجاوز التجارة البينية بين دول منظمة التعاون الإسلامي 18% من إجمالي تجارتها الخارجية، رقم لا يحتاج تعليقاً إنما يحتاج وقفة.

العالم الإسلامي يستورد 45% من غذائه في حين يمتلك أراضي زراعية تحقق اكتفاءه ذاتياً ويصدر الفائض!

قارن ذلك بالاتحاد الأوروبي الذي يُدير ما يقارب 60% من تجارته داخلياً بين أعضائه، حتى بات الاقتصاد الأوروبي قادراً على امتصاص الصدمات الخارجية لأنه يتكئ على سوق داخلية ضخمة لا تتأثر بمزاج الأسواق العالمية، هذا التكتل بني على هندسة اقتصادية متأنية، وإرادة سياسية واضحة، وإيمان بأن التكامل ليس خياراً، بل ضرورة.

المفارقة المؤلمة أن دول العالم الإسلامي تبيع بعضها النفطَ بالدولار عبر البورصات الغربية وتستورد الغذاءَ من أسواق تبعد آلاف الكيلومترات وتُصدّر موادها الخام إلى مصانع في أوروبا وآسيا ثم تشتريها مصنّعة بأضعاف ثمنها بينما جارتها في الجغرافيا الإسلامية تمتلك ما تحتاجه تماماً، وكأن ثروات العالم الإسلامي مصممة لإثراء الآخرين قبل أن تُثري أصحابها!

 

فجوة بين البيانات والواقع

 

هذا لا يعني غياب المحاولات، فمنظمة التعاون الإسلامي موجودة منذ عقود، وقمم الدول الإسلامية تتعاقب، والبيانات الختامية تتشابه، لكن الفجوة بين البيانات والبضائع لا تزال شاسعة، المشكلة في غياب الآلية التنفيذية التي تُحوّل الإرادة السياسية إلى حركة تجارية حقيقية على الأرض.

لم تكن الظروف الدولية يوماً مواتية تماماً لبناء التكتلات، لكنها لم تكن ضاغطة بهذه الحدة أيضاً، ما يجري اليوم في الاقتصاد العالمي إعادة هيكلة عميقة لقواعد اللعبة وهيكلة من هذا النوع لا تنتظر المترددين.

 

 حروب تجارية

الحروب التجارية التي اندلعت بين الكبار ألقت بتداعياتها على كل دولة تقف على الهامش منفردة، تبيع سلعة واحدة، وتعتمد على سوق واحدة، وتفاوض من موقع الضعيف الذي لا بديل له، والدول الإسلامية في معظمها تنتمي بالضبط إلى هذه الفئة، وحاضرة في الاقتصاد العالمي بوصفها مستهلكة لا شريكة، وحين تتصارع الكتل الكبرى تنهار سلاسل الإمداد التي تعتمد عليها هذه الدول وترتفع تكاليف الاستيراد، وتتراجع عائدات التصدير وتجد نفسها تدفع فاتورة حرب لم تشعلها.

يستورد العالم الإسلامي نحو 45% من احتياجاته الغذائية من خارج حدوده، في حين يمتلك من الأراضي الزراعية الصالحة ما يكفي لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتصدير الفائض، لكن غياب الاستثمار الزراعي البيني وضعف التكامل الغذائي يجعل ملايين المسلمين رهائن لأسعار القمح الأوكراني وتقلبات الموسم البرازيلي.

والأخطر من كل ذلك الضغط الجيوسياسي الذي بات يستهدف الدول الإسلامية بشكل ممنهج حين تقف منفردة، فالعقوبات الاقتصادية وتجميد الأصول واستخدام النظام المالي الدولي أداة للضغط السياسي، كل هذه أدوات أثبتت فاعليتها المؤلمة حين تواجهها دولة وحيدة لا احتياطي لها من التكامل الإقليمي، لكن الثابت تاريخياً أن الكتل الاقتصادية الكبرى تُفاوَض لا تُضغط عليها؛ لأن تكلفة معاقبتها تفوق ما يُمكن تحمله.

من أسباب ضعف التجارة البينية الإسلامية أن الدول تتنافس في تصدير السلع ذاتها بدلاً من أن تتكامل بإنتاجها

أمام هذا الواقع فالسؤال: هل نبني السوق الإسلامية ونختار شروطها، أم ننتظر حتى تُملي علينا العواصف شروطها؟

4 مرتكزات

السوق الإسلامية المشتركة ليست مجرد رفع الحواجز الجمركية بين الدول، فهذا شرط ضروري لكنه لا يكفي، وما تحتاجه حقاً هندسة اقتصادية متكاملة تقوم على 4 مرتكزات لا غنى عن أي واحد منها:

أولها: التكامل الإنتاجي لا التنافس الداخلي

أحد أعمق أسباب ضعف التجارة البينية الإسلامية أن الدول الأعضاء تتنافس في تصدير السلع ذاتها بدلاً من أن تتكامل في إنتاجها، تركيا وإندونيسيا وباكستان وبنغلاديش تتزاحم على الأسواق الغربية بمنتجات متشابهة، بينما كان بإمكانها تقسيم سلاسل الإنتاج فيما بينها وتصدير منتج نهائي واحد بقيمة مضافة أعلى وتنافسية أكبر، النموذج الآسيوي يُثبت أن التكامل الإنتاجي هو ما حوّل اقتصادات صغيرة إلى قوى تصديرية لأنها أنتجت معاً بذكاء.

 

ثانيها: منظومة مالية إسلامية موحدة

التجارة البينية لا تتدفق بلا أوعية مالية تحملها، واليوم يجد التاجر الماليزي الراغب في الاستثمار في السنغال أنه يمر عبر بنوك غربية بعملات غربية وفوائد ربوية، وكأن لا نظام مالياً إسلامياً أصلاً، فبناء منظومة مالية إسلامية موحدة تشمل بنكاً مركزياً للتسويات البينية، وسوقاً للصكوك السيادية المشتركة، وآليات تمويل تجاري إسلامية سلسة هذا هو الشريان الذي تضخ فيه الدماء لتتحرك السوق، ومن دونه تبقى الاتفاقيات التجارية حبراً على ورق لا تصلها السيولة ولا تُحرّكها الثقة.

 

ثالثها: تحرير حركة البضائع والخدمات ورؤوس الأموال

الإجراءات الجمركية المعقدة وتعدد العملات وقيود الاستثمار الأجنبي بين الدول الإسلامية كلها جدران غير مرئية أعلى من أي جدار جمركي، المستثمر السعودي الراغب في بناء مصنع في المغرب يواجه عقبات بيروقراطية لا تختلف كثيراً عما يواجهه لو أراد الاستثمار في اليابان، وهذا وحده يقول كل شيء.

تحرير هذه الحركة لا يعني فتح الحدود بلا ضوابط، وإنما بناء منظومة تنظيمية مشتركة تضمن الحقوق وتُيسّر الإجراءات وتُخفّض تكاليف التبادل إلى حدودها الدنيا.

 

رابعها وأساسها: البنية التحتية الرابطة

لا تجارة بلا طرق، والعالم الإسلامي يمتد من إندونيسيا شرقاً إلى موريتانيا غرباً، ومن كازاخستان شمالاً إلى موزمبيق جنوباً، لكن الروابط اللوجستية بين أجزائه لا تزال هشة ومتقطعة؛ فالموانئ الكبرى لا تتكامل، وشبكات السكك الحديدية لا تتصل، والمطارات تُسيّر رحلاتها عبر محاور أوروبية بدلاً من أن تربط المدن الإسلامية مباشرة، وفوق هذا كله يبقى التحول الرقمي المشترك من الجمارك الإلكترونية إلى التجارة الرقمية البينية هو البنية التحتية الخفية التي إن لم تُبنَ اليوم ستظل السوق المشتركة مشروعاً على الورق في عصر يسبق فيه الرقم البضاعة.

هذه المرتكزات الأربعة هي بالضبط ما فعله الأوروبيون في خمسينيات القرن الماضي، وما فعله الآسيويون بعدهم، الفارق الوحيد أن العالم الإسلامي يمتلك من الموارد ما لم يمتلكه أيٌّ منهم حين بدأ، وهذا ما يجعل تأخره أكثر إيلاماً وفرصته أكثر إلحاحاً.

 

 عقبات وعوائق

لو كان الطريق إلى السوق الإسلامية المشتركة مفروشاً بالنوايا الحسنة لكنا وصلنا منذ عقود، الحقيقة التي لا يقولها البيان الختامي لأي قمة إسلامية أن العقبات الحقيقية تسكن بيننا نحن، ومنها:

 

 الخلافات السياسية

أولى هذه العقبات وأعمقها الخلافات السياسية التي تُظلّل الاقتصاد بظلها الثقيل، فالعالم الإسلامي ساحة تتشابك فيها التوترات الإقليمية والصراعات على النفوذ والتحالفات المتقاطعة مع قوى خارجية، دول تتنافس على الزعامة الإقليمية، وأخرى تحمل إرثاً من الخلافات الحدودية، وثالثة تجد نفسها في محاور متعارضة تجعل الجلوس على طاولة واحدة تحدياً قبل أن يكون التوقيع على اتفاقية، وتاريخنا المعاصر مليء بصفقات أُوقفت وطرق أُغلقت وعلاقات اقتصادية جُمّدت بسبب خلافات سياسية لا علاقة لها بالمصلحة الاقتصادية ذاتها.


التباين الحاد في السياسات الجمركية والتشريعية

دول العالم الإسلامي تعيش في عوالم تنظيمية مختلفة بعضها يعتمد التعريفات الجمركية المرتفعة حماية لصناعاتها الناشئة، وبعضها الآخر يُدير اقتصاداً شبه مفتوح، فأنظمة الاستثمار تتباين وقوانين الملكية الفكرية تتعارض ومعايير المنتجات تختلف حتى بين الدول المتجاورة، والمستثمر الذي ينجح في فهم بيئة تنظيمية واحدة يجد نفسه أمام لغز جديد حين يُريد التوسع في دولة مجاورة، وهذا الاحتكاك التنظيمي يُكلّف أكثر مما تُكلّفه الرسوم الجمركية.


 ضعف الثقة البينية

ضعف الثقة البينية، الجرح الصامت الذي لا يُذكر في البيانات الرسمية، التاجر الإندونيسي يثق في الشريك الياباني أكثر من ثقته في الشريك الماليزي، والمستثمر الخليجي يتجه إلى لندن ونيويورك قبل أن يفكر في داكار أو كراتشي، وهذه نتاج عقود من غياب التواصل التجاري المنظم، وضعف المعلومات، وتراكم تجارب سلبية لم تُعالَج، والثقة في الأسواق تُبنى بالعقود المحترمة والعقود المُنفَّذة والعقود المحمية بمنظومة قانونية موثوقة وهذه المنظومة لا تزال في طور التشكّل.


 غياب الإرادة السياسية الجماعية

أخطر العقبات؛ فالقائد في دولنا الإسلامية يُفكر فقط داخلياً، فالتكامل الاقتصادي الحقيقي يتطلب تنازلاً عن بعض السيادة الاقتصادية لصالح المنظومة المشتركة، وهذا ثمن سياسي لا يسهل دفعه في بيئات سياسية هشة تخشى أن تُفسَّر أي خطوة تكاملية على أنها تفريط في المصلحة الوطنية.

 

بناء منظومة مالية إسلامية موحدة تشمل بنكاً مركزياً وسوقاً للصكوك السيادية وآليات تمويل تجاري سلسة

لكن، وهذا ما يُغفله كثيرون، كل هذه العقبات وجدت في أوروبا ما قبل التكامل بشكل أشد وأعمق، العقبات الحقيقية إذن ليست قدراً محتوماً، ولكن هي اختبار لما إذا كنا نملك من الحكمة ما يكفي لنرى ما وراء المعركة القريبة.

 

في النهاية، التاريخ لا يكذب، فالمصالح المشتركة صنعت ما عجزت عنه الشعارات والخطب والقمم المتعاقبة، العالم الإسلامي لا ينقصه سوى القرار، والقرار بأن يتفاوض من قوة لا من عزلة، وأن يبني سوقه على أرضه لا أن يستأجر أسواق الآخرين بشروط الآخرين.

السوق الإسلامية المشتركة الإجابة العملية على عالم يُعيد تشكيل نفسه بلا رحمة وبلا انتظار، وحين تضرب العواصف القادمة وستضرب، لن يسأل أحد عن الشعارات التي رُفعت وإنما عن البنية التي بُنيت، فإما أن تكون قد بُنيت، وإما أن نجلس نُعدّد ما كان يمكن أن يكون.

 

العواصف لا تنتظر والسؤال: هل سنبني الآن قبل أن تُجبرنا العواصف أن نبدأ من الصفر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ، مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى».

Explore More About Us

You May Also Like To Read

Contact Us

Subscribe to our Newsletter

@2023 – All Right Reserved. Designed and Developed by AATWorld

About Us

Here in the AAT Group, Traders, Businessmen, Manufacturers, Importers, and Exporters get to know each other and cooperate despite the distances, countries, and different languages.

Newsletters

Never Miss an Offer

Join our mailing list to receive the latest product news and industry updates from AAT World.

@2026  AATWorld  | All rights reserved.Reserved.