الرابحون والخاسرون في اقتصاد الذكاء الاصطناعي

بقلم: نور عبد الرحمن النمر

في عام 2026م، بلغ إنفاق أكبر 5 شركات تقنية أمريكية (أمازون، مايكروسوفت، ألفابت، ميتا، أوراكل) على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وحدها ما بين 660 و725 مليار دولار، بزيادة تقارب الضعف عن العام السابق، وهو رقم يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي (GDP) لغالبية دول العالم، باستثناء أكبر 20 اقتصادًا، ويقدّر بنك غولدمان ساكس أن هذا الإنفاق سيتصاعد إلى 765 مليار دولار سنويًا هذا العام، ليصل إلى 1.6 تريليون دولار سنويًا بحلول عام 2031م، ممثلاً رأسمالٍ متراكم يبلغ نحو 7.6 تريليون دولار -منها 4.1 تريليونات دولار ممولة بالدَّيْن.. يتدفق نحو الذكاء الاصطناعي، ومراكز بياناته، وبنيته التحتية، فلماذا هذا الإنفاق؟ وما العائد؟ ومن الرابحون ومن الخاسرون في هذا الاقتصاد؟

لا أحد يملك رفاهية الخسارة
تساءل كينيدي في مذكرة أرسلها لنائبه جونسون فور النجاح السوفييتي في الهبوط على القمر: هل لدينا برنامج فضائي يمكنه أن يعدنا بسبق الاتحاد السوفييتي؟ هل هناك أي برنامج آخر يمكن أن نحقق فيه نتائج مبهرة ولدينا فيه فرصة للفوز؟ حين سبق الاتحاد السوفييتي نده الأمريكي في الهبوط على القمر، خرج برنامج «أبوللو» من حيز العلمية إلى فضاء القومية، لقد أضحى مشروع الهبوط على القمر بالنسبة للولايات المتحدة مسألة واجب قومي وشرف وطني، ليس مهمًا ما كان على القمر طالما سيرفرف فوقه العلم الأمريكي. وقد تمثَّل لاري بيج، مؤسس «جوجل»، أحد أكبر ممولي مشاريع الذكاء الاصطناعي، هذه الروح الكيندية حين أدلى بتصريحه: أفضّل الإفلاس على أن أخسر هذا السباق! فإذا سايرنا الفرضية القائلة بأن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل كل قطاع اقتصادي خلال العقد القادم، فإن الشركة التي تتأخر عن بناء البنية التحتية الكافية الآن قد تجد نفسها خارج اللعبة نهائيًا لاحقًا، بصرف النظر عن كون الاستثمار مربحًا على المدى القصير أم لا. هذا يشبه إلى حد كبير منطق «الخيار الحقيقي» في الاقتصاد المالي: أنت تستثمر في حالة من عدم اليقين بشأن المستقبل ولا تشتري ربحًا مضمونًا، بل تحجز كرسيًا على طاولة اللاعبين، فإن ربحوا كنت معهم، فهم الجلساء لا يشقى معهم جليسهم، وإن خسروا فالانسحاب كان دومًا اختيارًا لكنك آثرت عدم اختياره.

إحلال واستبدال
في الفترة ما بين عامي 2020 و2022م أثناء طفرة جائحة كورونا، تضاعف عدد موظفي أمازون إلى 1.6 مليون موظف، ولم تكن أمازون وحدها من عانت من حصول فائض توظيفي، والذي تكمن مشكلته الرئيسة في احتياج الشركة إلى دفع مرتبات لأناس لا تحتاجهم مما يزيد من ميزانية إيراداتها وبالتالي يقلل أرباحها، وهو أمر لا يسعد أي مستثمر سماعه، كما لا يسعده أن الشركة ارتكبت خطأ كذاك، وسعادة المستثمر تنعكس على قيمة سهم الشركة صعودًا وهبوطًا، ولذا كان يتحتم على الشركات جميعها العمل على رضا مستثمريها ولو على حساب موظفيها. لذا، كان من المنطقي أن يتبع موجة التعيين الهائلة، موجة تسريح لا تقل هولًا عنها، بيد أنه كان على الموجة الثانية أن تكتسي بثوب القرار الاستثماري الحكيم لئلا تتزعزع ثقة المستثمرين في الشركة. وعليه، فلم يكن هناك أفضل من ادعاء الشركات أن الذكاء الاصطناعي صار من العبقرية بمكان بحيث يستبدل جميع هؤلاء، فانظروا أيها المستثمرين إلينا بعين العُجب كيف زرعنا تقنية سرعان ما جنينا قطافها! وبهذا ضربت شركات التقنية عصفورين بحجر واحد، فمن جهة تخلصت من الموظفين الزائدين على احتياجاتها، ومن جهة لمعت صورة الذكاء الاصطناعي في أعين المستثمرين فيما صار يُعرف لاحقًا بعملية تبييض الذكاء الاصطناعي. (AI-Washing) وأكبر دليل على أن الدافع استثماري بحت موافقة مجالس إدارة الشركات نفسها على برامج إعادة شراء أسهم وأرباح موزعة ضخمة في الوقت ذاته الذي أعلنت فيه موجات التسريح الكبرى، فقد وافق مجلس إدارة ألفابت -المالكة لـ«جوجل»- على برنامج إعادة شراء أسهم بقيمة 70 مليار دولار، وأول توزيع أرباح نقدية في تاريخها، ووافق مجلس إدارة مايكروسوفت على برنامج مماثل بقيمة 60 مليار دولار بعد أشهر قليلة من تسريح 10 آلاف موظف، هذا التزامن بين تسريح العمالة من جهة، ومكافأة المساهمين بمليارات إضافية من جهة أخرى، يكشف أن الفضل إنما نسب لكفاءة الذكاء الاصطناعي من أجل إفادة حَمَلة الأسهم.

كيف تكذب بالأرقام؟!
يتوقع المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية تسجيل نحو 502 ألف حالة تسريح مرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال عام 2026م وحده، مقارنة بـ55 ألف حالة فقط في عام 2025م، وتتراجع معدلات التوظيف في قطاعي التمويل والمعلومات بمعدل 28 ألف وظيفة شهريًا، إلا أن شركات الذكاء الاصطناعي سرعان ما تغض الطرْف عن مثل هذه الأرقام بدعوى أنها ستخلق ملايين الوظائف في مقابلها، حيث إن مراكز البيانات ستنعش قطاعات الإنشاءات والكهرباء والعقارات؛ ما سيولد حوالي 4.7 ملايين مليون وظيفة، ويعوّض شكليًا عن خسائر وظائف القطاع التقنية. وقبل أن نتمارى في كون الرقم مبالغًا فيه أم لا، لنطبق نصيحة دارل هَف التي أوردها في كتابه «كيف تكذب بالإحصاء؟»، وهي: عندما تسمع إحصائية، اسأل نفسك: من القائل؟ والقائل في حالتنا مشروع إيدج الأمريكي لعام 2025م، الممول من قبل شركة ميتا نفسها المالكة لـ«فيسبوك» و«واتس آب» و«إنستجرام»؛ أي أن الرقم الأكثر تداولًا إعلاميًا لدعم فكرة الوظائف البديلة مصدره عين الشركات المستفيدة من الترويج لهذه السردية. هذا بالإضافة إلى أن «ميتا» وغيرها من الشركات تُملي هذه الأرقام على من تمولهم من أعضاء الكونغرس ليُقنعوا دوائرهم الغاضبة بأهمية بناء مراكز البيانات بجوار منازلهم، وهو أمر يجدون فيه صعوبة بالغة نظرًا لكميات الماء والكهرباء المهولة التي تستهلكها هذه المراكز؛ ما يجعلها جارًا لا يتمناه المرء لألد أعدائه، لكونه يتسبب في تلوث ماء الشرب إلى حد يجعله غير صالح للاستهلاك الآدمي، وكذا انقطاع الكهرباء نظرًا لعدم احتمال البنية التحتية لهذا الكم الهائل من الاستهلاك.

الرابحون والخاسرون
ولكن لنفترض حسن نية شركة «ميتا»، وعدم وجود أي نوع من توافق المصالح بين أهدافها الاستثمارية وتوقعاتها الإحصائية، سنجد أن الوظائف الجديدة مؤقتة بطبيعتها؛ إنشائية بحيث تنتهي بانتهاء البناء، أو متخصصة تقنيًا وتتطلب عمالة ماهرة محدودة العدد، بينما الوظائف التي تُفقَد هي وظائف مكتبية معرفية واسعة الانتشار؛ أي أن التعويض الإحصائي الكلي لعدد الوظائف قد يبدو متوازنًا على الورق، لكنه تعويض غير متكافئ نوعيًا؛ عامل بناء مؤقت في تكساس لا يعوّض كاتبًا صحفيًا في نيويورك من حيث المهارة والاستقرار الوظيفي وطبيعة العقد. وهو أمر بلا شك سيلقي بظلاله على البنية الطبقية للمجتمع كما حذر الاقتصادي الفائز بجائزة «نوبل» دارون عجم أوغلو من أن النمط الحالي يركز على الأتمتة المفرطة؛ ما يؤدي إلى استقطاب حاد في سوق العمل؛ حيث تتآكل الطبقة الوسطى المعرفية كوظائف المبتدئين، بينما يتشكل المجتمع من طبقتين فحسب؛ أولئك الذين يملكون وهم طبقة «سيليكون فالي» من نخبة المالكة للتقنية في الأعلى، وأولئك الذين لا يملكون من عمالة منخفضة الأجر في الأسفل.
Explore More About Us

You May Also Like To Read

Contact Us

Subscribe to our Newsletter

@2023 – All Right Reserved. Designed and Developed by AATWorld

About Us

Here in the AAT Group, Traders, Businessmen, Manufacturers, Importers, and Exporters get to know each other and cooperate despite the distances, countries, and different languages.

Newsletters

Never Miss an Offer

Join our mailing list to receive the latest product news and industry updates from AAT World.

@2026  AATWorld  | All rights reserved.Reserved.