المحتوى القصير و«جيل زد».. هل يصنع معرفة وفكراً أم يكتفي بإثارة الانتباه؟

بقلم: د. السنوسي محمد

 

بينما أسهم ظهور الطباعة وانتشارها في ترسيخ ثقافة الكتاب، واعتباره أداة رئيسة فاعلة في تعميم المعرفة وإتاحة العلوم لمختلف الطبقات، بعد أن كانت، وتحديداً في الغرب، حكراً على فئات بعينها تستمد نفوذها من شأن ديني أو تحكُّم سياسي؛ بينما كان هذا شأن عصر الطباعة، فإننا وبعد 5 قرون وجدنا أنفسنا على النقيض تماماً حينما دخلنا الآن في عصر الثورة الرقمية.

الثورة الرقمية أعادت تشكيل الطريقة التي يتلقى بها الإنسان المعرفة، وأصبح المحتوى القصير، الذي لا يتجاوز أحياناً بضع ثوانٍ أو دقائق، جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، خاصة لدى «جيل زد» الذي نشأ في بيئة رقمية متصلة باستمرار.

وقد أدى انتشار منصات التواصل الاجتماعي إلى تغير أنماط القراءة والتعلم، وأدوات المعرفة والفهم، وأصبح السؤال المطروح: هل يستطيع هذا المحتوى السريع أن يصنع معرفة وفكراً جادين، أم يقتصر على جذب الانتباه وإثارة الفضول؛ وبالتالي ترسيخ ثقافة الصورة بدل الكلمة، وذهان السطحية والسهولة بدل العمق والتركيب؟

ولا شك أن المحتوى القصير يتناسب مع إيقاع الحياة المعاصرة، حيث سرعة تدفق المعلومات والأخبار، وتعدد مصادر المعرفة، وضيق الوقت، كما يتميز بسهولة الوصول إليه، وبقدرته على تقديم الأفكار بصورة مبسطة، فضلاً عما يحتويه من عناصر جذب وتشويق سمعية وبصرية.

ولهذا، أصبح كثير من الشباب يفضلون تلقي المعلومات من خلال المقاطع القصيرة والمنصات الرقمية؛ لأنها توفر جرعات سريعة من المعرفة، وتسمح بالانتقال السريع بين موضوع وآخر بلا ملل، ودون الحاجة إلى وقت طويل أو تركيز ممتد.

 

مزايا مهمة

ومع الإقرار بما ينتج عن ثقافة المقاطع السريعة من سلبيات معرفية ونفسية، سنشير لبعضها، فلا يمكن النظر إلى المحتوى القصير بوصفه ظاهرة سلبية بالكامل؛ فقد حقق فوائد عدة، منها:

 

 تبسيط المعرفة: فالمحتوى القصير أسهم في تقريب العلوم والأفكار المعقدة إلى الجمهور العام، وجعلها أكثر سهولة وفهماً.

 

 سرعة الوصول إلى المعلومات: إذ لم يعد الوصول إلى المعلومة يحتاج إلى ساعات من البحث، بل أصبح متاحاً بضغطة زر وفي صورة جذابة.

 

 إثارة الفضول المعرفي: فكثير من الكتب والأفكار والقضايا المهمة تعرف عليها الناس من خلال مقطع قصير دفعهم إلى القراءة والتوسع والبحث.

 

 الجمع بين المعرفة والمتعة: فقد أصبح بإمكان الشباب أن يتلقى المعرفة ممزوجة بالمتعة، والمعلومة مغلفة بعناصر بصرية وسمعية تطرد عنه الملل.

 

وهْم المعرفة والأثر النفسي

 

لكن المعرفة الحقيقية لا تقوم على المعلومات المتفرقة وحدها، بل تحتاج إلى ترابط بين الأفكار، وفهم للسياقات، وإدراك للعلاقات بين الأسباب والنتائج.

فالإنسان قد يشاهد عشرات المقاطع حول موضوع معين، لكنه يظل عاجزاً عن تكوين رؤية متماسكة عنه، ومن هنا، يظهر ما يمكن تسميته بـ«وهْم المعرفة»، حيث يظن المرء أنه أصبح خبيراً لمجرد تعرضه لكم كبير من المعلومات المختصرة.

 

المحتوى القصير ينجح في إثارة الأذهان وحشد المتابعات حول قضية ما

 

وعلينا أن نأخذ في الاعتبار أن منصات التواصل الاجتماعي تعتمد على خوارزميات تهدف أساساً إلى زيادة التفاعل والمشاهدة؛ ولذلك غالباً ما تنتشر المواد المبسطة أو المثيرة للجدل، أكثر من المحتويات العميقة، وهذا قد يؤدي إلى اختزال القضايا المعقدة في شعارات سريعة، وإلى تكوين مواقف وأحكام مبنية على معلومات ناقصة أو غير متوازنة.

بجانب ذلك، فإن «وهْم المعرفة» ينعكس سلباً على المتلقي من ناحية نفسية، وليس فقط من ناحية معرفية؛ فيصبح أكثر ثقة بالنفس لمجرد إحاطته السريعة ببعض المعلومات أو القضايا، وبالتالي، يصبح أكثر صلابة بقناعات شخصية قد لا تكون صحيحة، ويرفض محاولات تصحيحها، وقد يتعالى على من يناقشه.

 

الفكر صناعة ثقيلة

 

صناعة الفكر والمعرفة الجادة صناعة ثقيلة تختلف عن مجرد استهلاك المعلومات أو جمعها وتكديسها؛ فالمفكر لا يتكون من خلال ومضات سريعة، بل من خلال:

 

 القراءة المتأنية والغوص في تاريخ الأفكار والمشكلات والعلاقات المتشابكة.

 

التأمل والمراجعة للوقوف على جوهر النقاشات.

 

المقارنة والنقد لمعرفة الإيجابيات والسلبيات على نحو أعمق.

 

الحوار وتبادل الأفكار مع التواضع المعرفي.

 

 تراكم الخبرات والمعارف وتكوين حصيلة معرفية عميقة ومتنوعة.

 

ولهذا، كان الكتاب والمقال والدراسة والمحاضرة الطويلة أدوات أساسية في تكوين العلماء والمفكرين عبر التاريخ.

 

بوابة للمعرفة

 

وبشيء من الإنصاف، يمكن القول: المشكلة ليست في المحتوى القصير ذاته، بل في اعتباره المصدر الوحيد للمعرفة؛ فهو يمكن أن يؤدي دوراً إيجابياً إذا استُخدم بوصفه مدخلاً إلى التعلم، لا نهاية له، فالمقطع القصير قد يكون دعوة إلى قراءة كتاب، أو متابعة دورة علمية، أو البحث في قضية معينة، لكنه لا يغني عن القراءة المتعمقة ولا عن الحوار والتأمل.

ولهذا، فإن اعتياد المحتوى السريع والاقتصار عليه، قد يؤدي إلى ضعف القدرة على التركيز لفترات طويلة، ويجعل العقل أكثر ميلاً إلى التنقل السريع بين الموضوعات.

كما قد يصبح البحث عن الإثارة والمتعة الفورية معياراً لاختيار المحتوى؛ فتتراجع القدرة على متابعة الكتب والدراسات التي تحتاج إلى صبر وتأمل، ويحل الاختصار محل التحليل، والشعارات محل الأفكار.

التحدي أمام «جيل زد»

وبالرغم من أي سلبيات تنتج عن ثقافة المحتوى القصير، فإن التحدي لا يتمثل في رفض التكنولوجيا أو العودة إلى أنماط التعلم القديمة؛ وإنما في تحقيق التوازن بين سرعة العصر ومتطلبات المعرفة العميقة.

صناعة الفكر صناعة ثقيلة تختلف عن مجرد استهلاك المعلومات أو جمعها

فالمطلوب هو الانتقال:

من المشاهدة إلى القراءة؛ أي من الصورة إلى الكتاب.

ومن المعلومة إلى الفهم؛ وذلك بالغوص وراء الخلفيات والتشابكات.

ومن الاستهلاك إلى التفكير؛ أي الانتقال من موقع المتلقي إلى المنتج، ولو على مستوى التفكير الذاتي.

ومن التفاعل السريع إلى التعلم المستمر، وعدم اللهاث خلف كل ما يثار.

ومن القضايا ذات الجدل والإثارة إلى الأكثر اتصالاً بالواقع والحياة.

وهذه النقطة الأخيرة تحديداً هي ما يجعل محتوى المقاطع القصيرة غير معبِّر بالضرورة أو بالدقة اللازمة عما يجري خارج نطاق العالم الافتراضي، من قضايا وأولويات ومشكلات ونقاشات؛ بل قد يجعله فريسة سهلة للتوجيه والتحكم.

 

بين الشرارة والبناء

 

قد ينجح المحتوى القصير في جذب الانتباه وإثارة الفضول، لكنه لا يكفي وحده لصناعة المعرفة العميقة أو تكوين الفكر؛ فالمعلومة السريعة قد تكون الشرارة الأولى، أما بناء العقل وتشكيل الرؤية وصناعة الأفكار، فهي عملية طويلة تقوم على القراءة والحوار والتأمل والخبرة، كما أشرنا.

ومن ثم، فالمحتوى القصير ليس عدواً للمعرفة، لكنه أيضاً ليس بديلاً عنها؛ إنه باب للدخول إلى رحابها، أما الطريق الحقيقي للفهم والفكر فيحتاج إلى عمق وصبر وتراكم لا تستطيع الثواني القليلة أن تقوم مقامه.

المحتوى القصير ينجح في إثارة الأذهان وحشد المتابعات حول قضية ما؛ مثل حقوق الإنسان، أو الجرائم والانتهاكات، أو الإبادة الصهيونية في غزة؛ لكنه ليس كافياً لتحويل المعرفة العابرة إلى رأي مفصل، ولا لترجمة الرأي إلى واقع عملي.

ولهذا، فالمحتوى القصير له من اسمه نصيب! ويرتبط بما هو سريع وموجز، ويتسبب أحياناً في الإخلال بجوهر المسألة، فضلاً عن لجوئه إلى الإثارة، ولعل هذه الصفات هي من طبيعة «جيل زد» الذي أكسبته الحياة المعاصرة والعالم الافتراضي هشاشة معرفية ونفسية تضاف إلى ما كان يعانيه جيل الشباب من قبل؛ فأصبحنا أمام هشاشة مضاعفة تجعلنا ننظر بشيء من التقدير إلى شباب كانوا من سنوات معدودة يُتهمون بالسطحية والطيش.

وهذا ما يجعلنا نتعامل مع «جيل زد» وما يعتمد عليه من أدوات معرفية وتثقيفية، من موقع المتفهِّم والمتعاطف، ولا نكتفي بالإدانة، وبالتالي نبحث عن كيفية تعظيم الفوائد من هذه الأدوات، مع تقليل ما ينتج عنها من أضرار.

Explore More About Us

You May Also Like To Read

Contact Us

Subscribe to our Newsletter

@2023 – All Right Reserved. Designed and Developed by AATWorld

About Us

Here in the AAT Group, Traders, Businessmen, Manufacturers, Importers, and Exporters get to know each other and cooperate despite the distances, countries, and different languages.

Newsletters

Never Miss an Offer

Join our mailing list to receive the latest product news and industry updates from AAT World.

@2026  AATWorld  | All rights reserved.Reserved.