بقلم: د. علي شيخون
حين تتحدث الأسواق عن أزمة قادمة تنشغل بسؤال أهي انكماش يجمّد الاقتصاد أم تضخم يلتهم القيمة؟ والحق أن هذه ثنائية أعراض لا أسباب؛ فالعالم يعيش الوجهين معاً؛ أسعار ترتفع لأسباب لا صلة لها بقوة الاقتصاد، ونشاط يتباطأ دون أن يهبط بالأسعار، وأدوات علاجٍ صُممت لعالم تتعاكس فيه الظاهرتان لا تتزامنان، والأرجح أن القادم يجمعهما تسلسلاً؛ انفجار انكماشي في لحظته، وعلاج تضخمي في أعقابه، إذ لم يبق أمام حكومات أثقلتها الديون مخرج سوى الإفلاس المقنَّع بتسييل ديونها نقداً يفقد قيمته. وهذا التأرجح هو طبيعة النظام ذاته، نظام يقوم على ضمان العائد للزمن المجرد فيتوسع بالدَّيْن حتى التضخم، ثم ينكمش فجأة (الانفجار)، ثم يعالج الانفجار بمزيد من الدَّيْن؛ لأن الوجهين ثمرة انفصال النقد عن الإنتاج والمال عن العمران، فما نواجهه ليس دورة اقتصادية تُعالج بأدوات الدورات، إنما أزمة قيم تسبق أزمة البنية، وأزمة بنية تسبق أزمة الأسعار، وهذا المقال محاولة للنزول من سطح الأعراض إلى جذر الأسباب ثم إلى السؤال الذي يعنينا قبل غيرنا.
العلة المؤسِّسة للأزمة.. بناء النظام المالي على ضمان عائد الزمن المجرد
كل اختلالات النظام المالي المعاصر تعود إلى قرار تأسيسي واحد؛ جعل المال يلد المال بمجرد مرور الوقت عائداً مضموناً لا يتحمل مخاطرة ولا يشارك في إنتاج، وهو قرار ينقض قاعدتين فقهيتين اقتصاديتين دقيقتين؛ «الخراج بالضمان» و«الغُنم بالغُرم»، لا عائد مشروعاً بلا مخاطرة ولا كسب بلا استعداد للخسارة. فحين ضُمن العائد للزمن المجرد انحاز النظام كله إلى المديونية، صار الإقراض أربح من الإنتاج وأقل خطراً، وتحوّل الدَّيْن ذاته إلى سلعة تُورَّق وتُتداول، حتى غدا أوثق أصول العالم -سندات الخزانة الأمريكية- عقدَ ربا صريحاً تقوم عليه تسعيرة كل شيء، وشاهده دَيْنٌ عالمي تجاوز ثلاثة أضعاف الناتج، وكلفة خدمة تلتهم موازنات أكبر الاقتصادات، فالنظام الذي وضع الربا في أساسه جعل انهيار الأساس مسألة وقت لا احتمال.
علاج الداء بالداء نفسه
حين تكون العلة في ضمان عائد الزمن، يصبح سعر الفائدة أداة الإدارة الوحيدة، حيث تعالج البنوك المركزية الداء بمادته، ترفع الفائدة لكبح التضخم فتخنق الإنتاج وتفجّر كلفة الديون، وتخفضها لإنعاش النشاط فتطلق الأسعار وتغذي الاستدانة؛ وكل دورة علاج تورث دَيْناً أعلى من سابقتها حتى صار النظام أعجز من أن يحتمل فائدة مرتفعة تكسر ديونه، وأضعف من أن يحتمل فائدة منخفضة تشعل تضخمه. وليس هذا سوء استخدام للأدوات، إنما هذا حدّها الطبيعي، لأن أدوات صُممت لتوجيه المال عبر تسعير الزمن لا تُصلح خللاً جوهره تسعير الزمن ذاته، والحل في تغيير مادة العلاج بربط خلق النقد وتوجيهه بالأصول والإنتاج عبر صيغ المشاركة في الغُنم والغُرم معماراً نقدياً كاملاً لا منتجات تجميلية.
تداول المخاطر مجردة عن الأصول
إذا كان الربا قد فصل العائد عن المخاطرة، فقد أكملت المشتقات المالية الفصل من الجهة الأخرى، مخاطرة تقتطع من أصلها وتُصاغ عقداً قائماً بذاته يُباع ويُشترى وتتراكب فوقه العقود حتى بلغت القيمة الاسمية لهذه الأسواق أضعاف الناتج العالمي، فصار الرهان على الاقتصاد أضخم من الاقتصاد نفسه، والأخطر أن التراكم يجري في الظل بائتمان خاص وصناديق ووسطاء خارج الجهاز المصرفي المنظم، والأزمات تنفجر حيث تتراكم بصمت. وهنا يتبين أن نهي الشريعة عن الغرر الفاحش وبيع ما لا يُملك وبيع الدَّيْن بالدَّيْن هندسة وقائية ضد هذا النمط بعينه؛ فالتشريع لم يحرّم المخاطرة فهي روح التجارة، وإنما حرّم انفصالها عن الأصول، فالمخاطرة الموصولة بأصل تحسبها السوق ويتحملها أطرافها، أما المجردة المتداولة فطبقاتُ مراهنة يجهل كل طرف موضعه منها، فإذا اهتز الأساس انهار الجميع دفعة واحدة.
انقلاب المال من وسيلة للعمران إلى غاية تلد ذاتها
النقد في أصل وضعه وسيط ومعيار لا قيمة له في ذاته، وهي الحقيقة التي قررها الغزالي حين جعل النقدين «حجرين لا منفعة في أعيانهما، خُلقا ليحكما بين الأموال، ومن كَنَزَهَما أو اتّجر في أعيانهما فقد فَقَدَ ظلمهما وأبطل الحكمة فيهما». والنظام المعاصر بلغ في نقض هذا الأصل مداه، صار المال يُطلب لذاته، وتحوّل الاستثمار من تمويل الإنتاج إلى مراكمة القيمة، شركات تعادل قيمتُها السوقية أرباح عقود قادمة، ومؤشرات عالمية يتركز وزنها في حفنة شركات تكنولوجيا، وأصول رقمية بلا أصل ولا إنتاج تُتداول بوصفها ثروة، هذا هو الاقتصاد الورقي المنتفخ فوق الاقتصاد الحقيقي، والفجوة بين السعر والقيمة، بين الورقة والعمران، هي بالضبط حجم الانفجار المؤجل، فالخلل خلل غاية لا وسيلة، وحين ينقلب المعيار سلعة يفقد الاقتصاد بوصلته قبل أن يفقد توازنه.
احتباس الثروة عن الدوران
الثروة كالدم وظيفتها في جريانها؛ فإذا احتبست في عضو تورّم ومات الجسد، وهذا قانون قرآني منصوص: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ) (الحشر: 7)، جعله العلماء أصلاً لمقصد الرواج، وبُنيت لأجله منظومة تُجبر رأس المال على الدوران، زكاة تنقص المكنوز، وإرث يفتّت التركات، وتحريم للكنز والاحتكار. لكن النموذج القائم صمّم قنواته على الضد، عوائد رأس المال تنمو أسرع من عوائد العمل، والريع المالي أربح من الإنتاج، فتصب الثروة في اتجاه واحد وتتحول في القمة من طاقة إنتاجية إلى قوة مضاربة، وشاهده طبقة وسطى تتآكل، ونموذج نموٍّ عوّض تآكل دخولها بإقراضها حتى بلغ الاستهلاك المموَّل بالدَّيْن حدوده؛ فانسدّ الانتعاش من الداخل، لا الأغنياء يستهلكون بقدر تركّز ثروتهم، ولا الأكثرية تملك ما تستهلك به، وهكذا تعبر الأزمة حدود الاقتصاد إلى احتقان اجتماعي وسياسي يبحث عن شرارة. وهناك أسباب أخرى تشدّ الأزمة وتسدّ مخارجها، عالم يتفكك من عولمة الكفاءة إلى تكتلات الخوف، وإعادة هيكلة سلاسل التوريد؛ وشيخوخة ديموغرافية في الاقتصادات الكبرى تُنقص المنتجين وتزيد المُعالين فتضغط على الدَّيْن والأسعار معاً؛ وكلفة تحوّل طاقي ومناخي لا مفر من دفعها؛ وفوق ذلك كله تصدّع يدبّ في نظام العملة الاحتياطية الواحدة، فإذا اهتزت الثقة بالدولار اهتز الميزان الذي تُوزن به أموال العالم كلها ومعيار يختل بلغة الفقهاء مؤذن بفساد كل ما وُزن به.
الصاعق.. تحويل موارد الحياة المشتركة إلى سلاح احتكار وابتزاز
هذه البنية الهشة كانت تنتظر صاعقاً جاءها من أسواق الطاقة، مضيق هرمز الذي يعبره نحو خُمس نفط العالم وغازه المسال، تحوّل من ممر ملاحي إلى أداة تفاوض تُغلق وتُفتح بقرار سياسي، فوُلدت من تأرجحه «علاوة هرمز» زيادة شبه دائمة في سعر البرميل لا علاقة لها بالندرة. والنظام الدولي يدير الطاقة بمنطق الغنيمة، فمن ملكها احتكرها، ومن حكم ممرها ساوم بها، بينما التصور الإسلامي يجعل موارد الحياة أمانة استخلاف، والناس فيها شركاء، كما قرر الحديث النبوي في الماء والكلأ والنار، والطاقة «نار» العصر بلا مجاز، محكومة بقاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، فما تسميه لغة الأسواق مخاطرة جيوسياسية هو بالميزان الشرعي فساد في الأرض بمعناه الاقتصادي الدقيق، تعطيل المورد عن مقصده وتحويل عصب العمران إلى سلاح يدفع ثمنه الجميع والفقراء قبل الأغنياء.
أين نحن من أزمة نملك نموذج النجاة منها؟
اقتصاداتنا تدخل هذه الأزمة من موقع مزدوج الهشاشة، خليج يجني ريع الطاقة بيد وتنكشف أصوله السيادية على أسواق النظام المأزوم بالأخرى، ودول عربية مثقلة بالديون تقف في الصف الأول لموجة الفوائد وهروب رؤوس الأموال، والمفارقة الأشد أن الأمة التي تحمل في تشريعها الجواب البنيوي متمثلاً في الغُنم بالغُرم بدل الربا، والشفافية بدل الغرر، والرواج بدل الاحتباس اكتفت من نموذجها بقشرته، مالية إسلامية يقوم معظمها على التورّق والمحاكاة الشكلية لمنتجات النظام نفسه، فتستورد هشاشته وتضيف إليه كلفة الشكل! إن الأزمة القادمة أزمة بنية وقبلها أزمة قيم، وحزم الإنقاذ ستطفئ الحريق كما أطفأت سوابقه بسكب مزيد من الوقود المؤجل، والسؤال الصعب لصناع القرار في الغرب: هل يملكون شجاعة تغيير النموذج لا ترميمه؟ والسؤال الأصعب موجه إلينا نحن: هل نملك الجدية لتقديم نموذجنا علماً اقتصادياً قابلاً للتطبيق وليس هوية تُستهلك في منتجات مقلَّدة؟ فمن ملك الدواء وقت الوباء ثم اكتفى بوصفه شريك في الوفيات.
حين تتحدث الأسواق عن أزمة قادمة تنشغل بسؤال أهي انكماش يجمّد الاقتصاد أم تضخم يلتهم القيمة؟ والحق أن هذه ثنائية أعراض لا أسباب؛ فالعالم يعيش الوجهين معاً؛ أسعار ترتفع لأسباب لا صلة لها بقوة الاقتصاد، ونشاط يتباطأ دون أن يهبط بالأسعار، وأدوات علاجٍ صُممت لعالم تتعاكس فيه الظاهرتان لا تتزامنان، والأرجح أن القادم يجمعهما تسلسلاً؛ انفجار انكماشي في لحظته، وعلاج تضخمي في أعقابه، إذ لم يبق أمام حكومات أثقلتها الديون مخرج سوى الإفلاس المقنَّع بتسييل ديونها نقداً يفقد قيمته. وهذا التأرجح هو طبيعة النظام ذاته، نظام يقوم على ضمان العائد للزمن المجرد فيتوسع بالدَّيْن حتى التضخم، ثم ينكمش فجأة (الانفجار)، ثم يعالج الانفجار بمزيد من الدَّيْن؛ لأن الوجهين ثمرة انفصال النقد عن الإنتاج والمال عن العمران، فما نواجهه ليس دورة اقتصادية تُعالج بأدوات الدورات، إنما أزمة قيم تسبق أزمة البنية، وأزمة بنية تسبق أزمة الأسعار، وهذا المقال محاولة للنزول من سطح الأعراض إلى جذر الأسباب ثم إلى السؤال الذي يعنينا قبل غيرنا.
العلة المؤسِّسة للأزمة.. بناء النظام المالي على ضمان عائد الزمن المجرد
كل اختلالات النظام المالي المعاصر تعود إلى قرار تأسيسي واحد؛ جعل المال يلد المال بمجرد مرور الوقت عائداً مضموناً لا يتحمل مخاطرة ولا يشارك في إنتاج، وهو قرار ينقض قاعدتين فقهيتين اقتصاديتين دقيقتين؛ «الخراج بالضمان» و«الغُنم بالغُرم»، لا عائد مشروعاً بلا مخاطرة ولا كسب بلا استعداد للخسارة. فحين ضُمن العائد للزمن المجرد انحاز النظام كله إلى المديونية، صار الإقراض أربح من الإنتاج وأقل خطراً، وتحوّل الدَّيْن ذاته إلى سلعة تُورَّق وتُتداول، حتى غدا أوثق أصول العالم -سندات الخزانة الأمريكية- عقدَ ربا صريحاً تقوم عليه تسعيرة كل شيء، وشاهده دَيْنٌ عالمي تجاوز ثلاثة أضعاف الناتج، وكلفة خدمة تلتهم موازنات أكبر الاقتصادات، فالنظام الذي وضع الربا في أساسه جعل انهيار الأساس مسألة وقت لا احتمال.
علاج الداء بالداء نفسه
حين تكون العلة في ضمان عائد الزمن، يصبح سعر الفائدة أداة الإدارة الوحيدة، حيث تعالج البنوك المركزية الداء بمادته، ترفع الفائدة لكبح التضخم فتخنق الإنتاج وتفجّر كلفة الديون، وتخفضها لإنعاش النشاط فتطلق الأسعار وتغذي الاستدانة؛ وكل دورة علاج تورث دَيْناً أعلى من سابقتها حتى صار النظام أعجز من أن يحتمل فائدة مرتفعة تكسر ديونه، وأضعف من أن يحتمل فائدة منخفضة تشعل تضخمه. وليس هذا سوء استخدام للأدوات، إنما هذا حدّها الطبيعي، لأن أدوات صُممت لتوجيه المال عبر تسعير الزمن لا تُصلح خللاً جوهره تسعير الزمن ذاته، والحل في تغيير مادة العلاج بربط خلق النقد وتوجيهه بالأصول والإنتاج عبر صيغ المشاركة في الغُنم والغُرم معماراً نقدياً كاملاً لا منتجات تجميلية.
تداول المخاطر مجردة عن الأصول
إذا كان الربا قد فصل العائد عن المخاطرة، فقد أكملت المشتقات المالية الفصل من الجهة الأخرى، مخاطرة تقتطع من أصلها وتُصاغ عقداً قائماً بذاته يُباع ويُشترى وتتراكب فوقه العقود حتى بلغت القيمة الاسمية لهذه الأسواق أضعاف الناتج العالمي، فصار الرهان على الاقتصاد أضخم من الاقتصاد نفسه، والأخطر أن التراكم يجري في الظل بائتمان خاص وصناديق ووسطاء خارج الجهاز المصرفي المنظم، والأزمات تنفجر حيث تتراكم بصمت. وهنا يتبين أن نهي الشريعة عن الغرر الفاحش وبيع ما لا يُملك وبيع الدَّيْن بالدَّيْن هندسة وقائية ضد هذا النمط بعينه؛ فالتشريع لم يحرّم المخاطرة فهي روح التجارة، وإنما حرّم انفصالها عن الأصول، فالمخاطرة الموصولة بأصل تحسبها السوق ويتحملها أطرافها، أما المجردة المتداولة فطبقاتُ مراهنة يجهل كل طرف موضعه منها، فإذا اهتز الأساس انهار الجميع دفعة واحدة.
انقلاب المال من وسيلة للعمران إلى غاية تلد ذاتها
النقد في أصل وضعه وسيط ومعيار لا قيمة له في ذاته، وهي الحقيقة التي قررها الغزالي حين جعل النقدين «حجرين لا منفعة في أعيانهما، خُلقا ليحكما بين الأموال، ومن كَنَزَهَما أو اتّجر في أعيانهما فقد فَقَدَ ظلمهما وأبطل الحكمة فيهما». والنظام المعاصر بلغ في نقض هذا الأصل مداه، صار المال يُطلب لذاته، وتحوّل الاستثمار من تمويل الإنتاج إلى مراكمة القيمة، شركات تعادل قيمتُها السوقية أرباح عقود قادمة، ومؤشرات عالمية يتركز وزنها في حفنة شركات تكنولوجيا، وأصول رقمية بلا أصل ولا إنتاج تُتداول بوصفها ثروة، هذا هو الاقتصاد الورقي المنتفخ فوق الاقتصاد الحقيقي، والفجوة بين السعر والقيمة، بين الورقة والعمران، هي بالضبط حجم الانفجار المؤجل، فالخلل خلل غاية لا وسيلة، وحين ينقلب المعيار سلعة يفقد الاقتصاد بوصلته قبل أن يفقد توازنه.
احتباس الثروة عن الدوران
الثروة كالدم وظيفتها في جريانها؛ فإذا احتبست في عضو تورّم ومات الجسد، وهذا قانون قرآني منصوص: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ) (الحشر: 7)، جعله العلماء أصلاً لمقصد الرواج، وبُنيت لأجله منظومة تُجبر رأس المال على الدوران، زكاة تنقص المكنوز، وإرث يفتّت التركات، وتحريم للكنز والاحتكار. لكن النموذج القائم صمّم قنواته على الضد، عوائد رأس المال تنمو أسرع من عوائد العمل، والريع المالي أربح من الإنتاج، فتصب الثروة في اتجاه واحد وتتحول في القمة من طاقة إنتاجية إلى قوة مضاربة، وشاهده طبقة وسطى تتآكل، ونموذج نموٍّ عوّض تآكل دخولها بإقراضها حتى بلغ الاستهلاك المموَّل بالدَّيْن حدوده؛ فانسدّ الانتعاش من الداخل، لا الأغنياء يستهلكون بقدر تركّز ثروتهم، ولا الأكثرية تملك ما تستهلك به، وهكذا تعبر الأزمة حدود الاقتصاد إلى احتقان اجتماعي وسياسي يبحث عن شرارة. وهناك أسباب أخرى تشدّ الأزمة وتسدّ مخارجها، عالم يتفكك من عولمة الكفاءة إلى تكتلات الخوف، وإعادة هيكلة سلاسل التوريد؛ وشيخوخة ديموغرافية في الاقتصادات الكبرى تُنقص المنتجين وتزيد المُعالين فتضغط على الدَّيْن والأسعار معاً؛ وكلفة تحوّل طاقي ومناخي لا مفر من دفعها؛ وفوق ذلك كله تصدّع يدبّ في نظام العملة الاحتياطية الواحدة، فإذا اهتزت الثقة بالدولار اهتز الميزان الذي تُوزن به أموال العالم كلها ومعيار يختل بلغة الفقهاء مؤذن بفساد كل ما وُزن به.
الصاعق.. تحويل موارد الحياة المشتركة إلى سلاح احتكار وابتزاز
هذه البنية الهشة كانت تنتظر صاعقاً جاءها من أسواق الطاقة، مضيق هرمز الذي يعبره نحو خُمس نفط العالم وغازه المسال، تحوّل من ممر ملاحي إلى أداة تفاوض تُغلق وتُفتح بقرار سياسي، فوُلدت من تأرجحه «علاوة هرمز» زيادة شبه دائمة في سعر البرميل لا علاقة لها بالندرة. والنظام الدولي يدير الطاقة بمنطق الغنيمة، فمن ملكها احتكرها، ومن حكم ممرها ساوم بها، بينما التصور الإسلامي يجعل موارد الحياة أمانة استخلاف، والناس فيها شركاء، كما قرر الحديث النبوي في الماء والكلأ والنار، والطاقة «نار» العصر بلا مجاز، محكومة بقاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، فما تسميه لغة الأسواق مخاطرة جيوسياسية هو بالميزان الشرعي فساد في الأرض بمعناه الاقتصادي الدقيق، تعطيل المورد عن مقصده وتحويل عصب العمران إلى سلاح يدفع ثمنه الجميع والفقراء قبل الأغنياء.
أين نحن من أزمة نملك نموذج النجاة منها؟
اقتصاداتنا تدخل هذه الأزمة من موقع مزدوج الهشاشة، خليج يجني ريع الطاقة بيد وتنكشف أصوله السيادية على أسواق النظام المأزوم بالأخرى، ودول عربية مثقلة بالديون تقف في الصف الأول لموجة الفوائد وهروب رؤوس الأموال، والمفارقة الأشد أن الأمة التي تحمل في تشريعها الجواب البنيوي متمثلاً في الغُنم بالغُرم بدل الربا، والشفافية بدل الغرر، والرواج بدل الاحتباس اكتفت من نموذجها بقشرته، مالية إسلامية يقوم معظمها على التورّق والمحاكاة الشكلية لمنتجات النظام نفسه، فتستورد هشاشته وتضيف إليه كلفة الشكل! إن الأزمة القادمة أزمة بنية وقبلها أزمة قيم، وحزم الإنقاذ ستطفئ الحريق كما أطفأت سوابقه بسكب مزيد من الوقود المؤجل، والسؤال الصعب لصناع القرار في الغرب: هل يملكون شجاعة تغيير النموذج لا ترميمه؟ والسؤال الأصعب موجه إلينا نحن: هل نملك الجدية لتقديم نموذجنا علماً اقتصادياً قابلاً للتطبيق وليس هوية تُستهلك في منتجات مقلَّدة؟ فمن ملك الدواء وقت الوباء ثم اكتفى بوصفه شريك في الوفيات.


