بقلم: محمود خليل
اقرأ مائة كتاب في السباحة، لن تجيد السباحة إلا إذا نزلت البحر، ومن المعروف أن كل لغة، إنما تكمن قدرتها، في أهليتها للبناء، وصمودها في معركة البقاء، مهما كانت التحديات، وإن قوانين النهوض المادي لا تنفصل بحال عن قوانين النهوض المعنوي، فمشوار الحضارة والعمران، يقطعه الإنسان جميعاً، بكل طاقاته ومكوناته وملكاته، وسط عالم الانزياح والاجتياح، الذي يعيش أسوأ عصور الحروب الكونية المفتوحة غير المتكافئة، تأتي هذه الدراسة التأسيسية: «الخطاب الإعلامي الإسلامي المعاصر، بُنى لسانية، ورُؤى حضارية»، التي أسس بها المفكر البحاثة النحوي العروضي أ.د. إبراهيم العريني، لمقاصدية جامعة للسيمائية التجلي، التي ينطلق بها من محاريب الشهود، إلى عالم الوجود، عبر 508 صفحات، تنظمها 7 فصول و28 مبحثاً، بواقع 4 مباحث في كل فصل، وخلال 168 مطلباً، بواقع 6 مطالب في كل مبحث.
لم يترك بعدها العالم الجليل د. العريني شاردة ولا واردة، من موضوع دراسته إلّا عرّج عليها، أو عَرَج بها، يؤسس لها، ويؤسس بها، ويؤسس عليها، فكان الكتاب ميثاق الذات لتحرير الإنسان بالبيان، وإعمار الكون بهدايات القرآن، في هذا الميدان الريادي الجديد، (المقاصدية اللسانية للخطاب الإعلامي الجديد)، صائغاً باسمه عدة نجاحات استباقية، أهمها:
الجسارة المنهجية
حيث لم يخضع في الكتاب كله، للمصكوكات والمسبوكات السابقة التجهيز، من حيث المنهج والتبويب والمعالجة والتقويم والتقسيم، بل كان مفتناً في الشكل، كما كان مفتناً في الشاكلة.
الريادة المصطلحية
حاولت حصر المصطلحات الجديدة التي طرق بها أبواب هذا الميدان العلمي الحديث، فلم أستطع، حيث ظللت أسرد وأعدد حتى جاوزت 500 مصطلح، فأمسكت، وأنا على يقين أن هذا الكتاب يحوي أكثر من 1500 مصطلح جديد، من أمثال: فيزياء التضليل، هندسة الفراغ، الكتمان الواعي، التغييب الإدراكي، التزكية السيبرانية، هندسة المدى، بلاغة التسويق، نحت الازدهار… وهكذا.
الأصالة التراثية
حيث يبدو من ثنايا وخفايا هذه الدراسة مدى القدرة اللسانية المنبثقة عن جذور تراثية ضاربة في الأعماق، مؤسسة لمعالم التأصيل وبلاغه الموثوقية، لم تدع لمتدبر لبساً، ولا لناطق نبساً.
وضوح الرؤية
فقد أحاط بأطراف الموضوع، وشوارده وشواهده، في صياغة تستمد هيبتها من الوحي المبين، عبر خارطة متكاملة الأركان، حتى فيما جد على هذه الحقول من مستجدات شديدة الحداثة، كلغة الجسد، والإعلام السيبراني، والهندسة الصوتية، وإعلام الصورة المتخصصة، وسيمياء الاستقصاء، كل ذلك هضمه، وأعاد تمثله في بلاغة لسانية رحيمة، ابتغاء صناعة إعلامية هادية قويمة، وفي ظل الفيض المعلوماتي والغزو السيبراني المعاصر، المتوحش بلا حد ولا قيد، وما يقوم به من هتك قسري لحرمة العقول، واغتيال عمدي لطهارة الفكر والفطرة.
جاءت الدراسة مشحونة بنور الهداية، ومتأججة بلهيب القصد، فخرجت من ماعون الصياغة البكر، وفقه الوعي المؤسس، لتتجاوز جفاف الصياغات العلمية المعهودة، وبرود الكلمات المرصوفة، وتخرج للناس مستعلية على العجمة المفهومية لتكون غذاء وشفاء وكفاء، وغنى للقاصد والداني، يردده كنشيد الإنشاد، وهو يتغيّا هذه المباهلة اللسانية الإعلامية المعاصرة، قائماً عن الأمة بفرض الكفاية، لطرق أبواب 10 علوم واجبة، تنبثق عن هذا التصور اللساني المقاصدي المستشرف، الذي لا ينفصل فيه المقصد عن المشهد، ولا البداية عن النهاية، ولا الوقف عن الابتداء، في رسم خارطة الإيمان.
قاربت العناوين الرئيسة والفرعية للكتاب 420 عنواناً مذخوراً لم يخرج عنوان واحد منها من زاوية الدفاع عن الهوية، أو إثبات الذات، فحسب، إنما خرجت جميعاً إلى أرض التدافع، وبيان الغايات، مزودة بكل قدرات الحجاج، وطاقات الاحتجاج، فقدمت النموذج الحضاري الهادي، في نسق معرفي متكامل، تتشابك فيه اللغة بالفكر، واللفظ بالمقصد، والسياق بالقيمة، والدلالة بالحضارة، والثقافة بالمثاقفة، لتنتقل بالكاتب والمكتوب، من مقام الشهود، إلى ميدان إقامة الوجود، تحمل المضمون الرسالي المنقذ من الضلال، بتحريره من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
الإعلام وصناعة الواقع والموافقة
في ظل هذا التوحش السيبراني المعاصر المشبوه، والتدفق المعلوماتي الأثيم الذي انتقل بالكلية من أرض الحياد، إلى فرض الحيود، أضحى المشاهد والمستمع والقارئ العادي يعاني أشد المعاناة من قسوة ما أسماه المفكر الفيلسوف ناعوم تشومسكي بـ«صناعة الموافقة»؛ وهو ما يعني قدرة هذا الذكاء الاصطناعي على إدارة مصانع قهرية للعلاقات العامة، لاجتياح تراتبيات الأفكار والأخبار والأذهان، وإنتاج دهماء بكماء عمياء، من عبيد الموافقة والطواعية، وما على المشاهد أو المستمع أو القارئ في هذه الحالة، إلا أن يتلقى الدعاية الفاجرة بالقبول والاستسلام، بدلاً من أن يجد نفسه في غرف التعذيب المعلوماتي، من خلال عمليات القصف والمحاصرة والاستهداف والاختراق التي لا تنتهي!
إن الوسائل الإعلامية لا تكتفي بنقل الواقع، بل تعيد تشكيله وتصديره، عبر عدة عمليات معقدة من النمذجة والدبلجة والهدرجة والأدلجة، فالإعلام لم يعد ناقلاً للحقائق، وإنما صانع أصيل لها، وللرأي العام من ورائها، حيث يتم تصنيعه، وتصنيع الناس من خلاله، بما يخدم الأقوياء، ويقوم على الانتظام التلقائي في مصانع الموافقة.
من التلقي السلبي إلى المشاهدة النقدية
لذا، فإن المشاهد العادي في ظل هذه القرية الإلكترونية الصغيرة الضيقة، المحكومة بصناعة الواقع المفروض، قد غدا يحيا سجناً كبيراً، متراكب الإطار والأسوار.
وأضحى ذلك المشاهد في أمسّ الحاجة إلى رسالة توعوية راهنة، تنقذ ما تبقي لديه من إنسانية وجوده على ظهر الأرض، وتأخذ بيديه إلى أولى خطوات التحرر من هذا الرق الإعلامي الأثيم، وهذا الاغتيال المعنوي المهين، وهذا الاحتلال المعلوماتي المدفوع الأجر مسبقاً، وانتشاله عبر قوارب النجاة، بما يحتم عليه المبادرة إلى تلقّي قبلة الحياة، والإلقاء بنفسه بالكلية، كمادة خام، ضمن مصانع إعداد وصياغة وصناعة المشاهد الناقد، والقارئ الواعي، والمستمع الأمين، والمواطن الرشيد.
وفي عصر زحام الشاشات، وتنافس الوسائط، وتوحش عمليات التزييف والتضليل، أصبح التأسيس لمشاهدة نقدية، تحليلية، ومتابعة واعية واقعية، ورؤية مثاقفة مسؤولة، البديل الوقائي المسعف، للانعتاق من حروب الاستسلام والتخدير، والتعافي من مشافي التلقي السلبي، والاستجابات المسبقة، المعدة سلفاً، في ظل هذا الاغتيال العمدي، والاسترقاق القهري، المدجن، والمنظم، والمحمي تكنولوجيا، ومالياً، وسياسياً، بل وعسكرياً.
التحقق من المعلومات وبناء الوعي الإعلامي
هذا الانعتاق، يبدأ بتحفيز القدرة على المشاركة التضمينية الفعالة، واتخاذ مواقف انتقائية راشدة لذلك المشاهد العيني، والمشارك اللساني، بانتقاله من مرحلة التلقي والتأثر، باعتباره الحلقة الأضعف في هذه السلسلة الإعلامية «التكنو سياسية»، إلى مرحلة النقد والتأثير، باعتباره الحلقة الأقوى في هذه السلسلة المتوغلة المجتاحة، ثم توسد المسلم المستخلف مقام الأستاذية الذي ابتعثه الله وقومه وكتابه من أجله بما يوجب التروي والتمكن، من كل مهارات التعامل مع وسائل الإعلام، وسياساتها وريادتها وقيادتها.
وذلك بالتحقق من مصادر المعلومات، وفهم السياقات، وتحليل الرؤى، والوقوف على الخلفيات المتضمنة في الرسالة الإعلامية، المؤطرة والمشفرة، وفهم ومعرفة من يقف وراءها، تمويلاً وتشغيلاً، فإذا ما جاءت إليك سلعة، مجانية جميلة لحد باب البيت!
فاعلم أنك أنت السلعة المقصودة!
ملاحظات على الدراسة
وأجدني في ضوء هذا التقديم العابر، لهذا الكتاب الاستثنائي، قميناً أن أشير إلى نقاط ثلاث:
كنت أتمنى أن لو كانت هذه الدراسة الريادية مصحوبة ببعض البيانات والخرائط الدلالية الرقمية، لرفع واقع التدفق الإعلامي الجائر، والخرائط الاتصالية العالمية المجيرة، ودائماً بالأمثال تتضح الأقوال.
كنت أتمنى لو أمسك د. العريني، على نفسه، من هذه القدرة الفائقة على المحاجة، وبلاغة الحوار التي ساقت المصطلحات والبيانات والعناوين بين يديه شلالاً هادراً، ما قد يمثل حمولة ثقافية علمية مرهقة للقارئ العادي.
كنت أتمنى أن لو كان المطلب الثامن، من الفصل السادس، الخاص باختيار «أبي عبيدة» كمؤذن إعلامي مؤثر، أن لو كان مشفوعاً بملحق لتحليل المضمون لكل البيانات التي ألقاها أبو عبيدة والخاصة بـ«طوفان الأقصى» (7 أكتوبر 2023م)، ككتاب مرقوم للوحة النصر، وخطاب الرشاد الذي دحر أقمار الدنيا الصناعية الجبارة، وشاشاتها ووكالات أنبائها وجيوش مراسليها، وألقاها خلفه ظهرياً، وهو يطوف الدنيا ببياناته، في حواصل طير خضر ترد أنهار الجنة، حقاً وصدقاً ويقيناً.


