الجدّية المفرطة!

بقلم: د. عمر سالم المطوع

كلما تقدّمت أعمارنا؛ زادت تعقيدات الحياة حولنا، فعندما كنا صغاراً كنا نرى العالم بنظرة مليئة بالأمل والتفاؤل، لقد كانت اختياراتنا بسيطة لا يوجد فيها تحيزات وحسابات، كنا نحب الناس إن ابتسموا لنا، ونبتعد عنهم إن عبسوا في وجوهنا، ومع تقدمنا في العمر أصبحت سمات شخصياتنا تتشكل متأثرة بالبيئة المحيطة بنا، ومن خلال ذلك التعايش نحن لا نعلم إن كان ذلك التشكيل لصالحنا، أم مضراً لنا، فكم تطبعنا بطباع نحتار في الجواب عن كيفية اكتسابها.

إن من السمات التي نكتسبها من البيئات التي نعيش فيها سمات المرح والجدية، وهي من السمات التي يتميز بها إنسان عن آخر، إن المبالغة في التعاطي مع الأحداث والمواقف والمشكلات التي نتعرض لها في حياتنا والنظر لها من خلال عدسة اللون الأبيض أو الأسود، تجعلنا قاسين في التعامل مع ذواتنا، وهذا شعور مؤذٍ بحد ذاته، حتى إننا نجد صعوبة في حل مشكلاتنا ونجد أنفسنا أكثر جذباً للمشكلات لأننا نفتقد المرونة الكافية التي تجعلنا قادرين على معالجة تلك الأزمات التي نمر بها.

إن الالتزام والجدية في تحقيق الأهداف يحددان نجاح الفرد، ولكن التوازن له فاعليته العظيمة في تحقيق تلك النجاحات، وما إن تكون الجدية مفرطة حتى نجد أننا حصرنا أنفسنا بين خيار أكون أو لا أكون، فنغلق الكثير من الأبواب التي من خلالها قد نحقق أهدافنا بشكل أسرع.

ولعل سائل يسأل: كيف نميز بين الجدية المطلوبة التي تساعدنا لتحقيق الأهداف، والجدية المفرطة؟

والجواب: إذا رأيت أنك تعامل كل شيء بالجدية، حتى كأن الحياة يجب أن تؤخذ في كل تفاصيلها بحزم لا لين معه، فهذه جدية مفرطة، حتى إن البعض يشعر بالضيق إذا تأخر أحد عن موعده ربع ساعة، ويثور إذا توقفت سيارته في الزحام خمس دقائق، ويتوتر إذا ارتكب خطأ بسيطاً، إن هذه السلوكيات تؤدي بالمرء إلى فقدان التمتع بالحياة، وتسلبه النظرة السليمة إلى الأمور.

إننا بحاجة إلى أن نأخذ جد الحياة بجد، وانبساطها بالمرح والفرح، وألا نشكل أنفسنا بقوالب خاصة تعاكس سجية الحياة وطريقها الذي أراده الله، ولا أن نتوقع أن تتأقلم الحياة معنا، بل نحن الذين علينا أن نتأقلم معها وفق قيمنا وأخلاقنا.

إن أولى خطوات معالجة الجدّية المفرطة الاعتراف بوجودها، ومن ثم علينا أن نغير طريقتنا، وأهم عنصر في ذلك التغيير تخفيض مستوى التوقعات، ولعل تجربة قضاء بعض الأيام من دون توقعات تحررنا من جرعة الجدية المفرطة التي قد نعانيها، فمنذ الصباح لا تتوقع أن تنجز كل ما خططت لإنجازه، ولا أن تتوقع من الأطراف الأخرى سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات أي نوع من التعويض نظير ما قدمت من جهود.

أما إذا كنت مربّياً أو مرشداً أو موجهاً، فعليك التنبه لخطورة الجدية المفرطة على سلوك الأبناء والتلاميذ، فعادة انعكاسات هذا النوع من التربية الجادة هو النفور والتذمر والتشوه في السلوكيات والمشاعر، فحينها سنجد أنفسنا مملين وثقيلين بالنسبة لمن حولنا من أبناء وتلاميذ، وحينها ستكون الأسرة أو المحضن التربوي مكاناً للمجاملات وليس محضناً تربوياً مناسباً لنشأة أبنائنا.

إن الجدّية المفرطة قد دمرت العديد من العلاقات الزوجية والأسرية، وخربت العديد من بيئات العمل الإيجابية والمنسجمة، فلنحذر من الجدية المفرطة حتى وإن تظاهر أصحابها برمزيتهم القيادية والفكرية، فما إن تتسلل أجواء الجدية المفرطة في بيئات العمل إلا ويبدأ العزوف وتكون بيئات العمل طاردة للكفاءات المتميزة.

ومسك الختام: «إِنْ كَانَتِ الأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ المَدِينَةِ، لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ» (رواه البخاري).

تواصل معنا

انضم إلى نشرتنا الاخبارية

حقوق الملكية ©AATWorld 2023. جميع الحقوق محفوظة. AATWorld

من نحن

هنا في مجموعة AAT ، يتعرف التجار ورجال الأعمال والمصنعون والمستوردون والمصدرون على بعضهم البعض ويتعاونون على الرغم من المسافات والبلدان واللغات المختلفة.

Newsletters

لا تخسر العروض والفرص التجارية

انضم إلى قائمتنا البريدية لتلقي آخر أخبار المنتجات وتحديثات الصناعة من التجارة العربية الآسيوية

2026@ AATWorld  | جميع الحقوق محفوظة.