خرافة التقدم والتخلف

بقلم: تسنيم عبد الرحمن النمر

نستعمل بصورة يومية مصطلحات لا ندري جذورها الثقافية ولا أبعادها السياسية، كوصفنا لمنطقتنا بـ«الشرق الأوسط»، غير منتبهين أن هذا وصف جغرافي بالنسبة لموقعنا من الولايات المتحدة، وأننا بهذا الوصف نرى عالمنا بعينيها كما أرادت لنا أن نرى أحجام الدول على الخريطة بعينيها كذلك. فأوروبا التي تساوي ثلث حجم قارة أفريقيا تكاد تساويها في المساحة على خريطة العالم التي ندرس عليها خريطة الجغرافية والمعروفة علميًا باسم “مسقط مركاتور”، نسبة لراسمها البلجيكي جيراردوس مركاتور. والذي استغلت الأيديولوجيات الاستعمارية خريطته في فرض هيمنتها الجغرافية، لأنه جعل الدول الواقعة في نصف الكرة الشمالي (أوروبا، أمريكا الشمالية، روسيا) تبدو ضخمة جداً مقارنة بحجمها الحقيقي، بينما صغّر من مساحة دول خط الاستواء وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، لتبدو دول الغرب على الخريطة مناطحة للأسود، وإن كان حجمها الحقيقي لا يتعدى حجم الغزلان. بيد أن الهيمنة الأوروبية لا تتوقف عند الحدود الجغرافية البصرية، بل تمتد لتطال ما هو أهم وأخطر، وهو تصنيف التقدم الذي جُعل حِكرًا على دول العالم الأول، والتخلف الذي جُعل من نصيب دول العالم الثالث، الذي تم تعديل توصيفه لاحقًا تلطيفًا لنبرة الطبقة العنصرية ليصير دول العالم النامية، وما هذه التسميات إلا من وحي خيال المؤلف الأوروبي، وما سمعنا بمثلها في آبائنا الأولين.

عقدة الخواجة
نشأ عند بعض من بني جلدتنا، نظير انبهارهم بتقدم الأوروبي وشعورهم بالخزي من تخلف من نشؤوا بين أظهرهم وانتسبوا إليهم، نشأ مركب نقص اُصطلح على تسميته بعقدة الخواجة، وفيه يرى العربي نظيره الأوروبي أنه لا نظير له، ويرى نفسه دونه، ونتيجة لذلك يستورد منه حلوه ومره، على حد تعبير طه حسين. وأرجع د. جلال أمين، في كتابه «خرافة التقدم والتخلف»، هذه العقدة لسببين إضافيين؛ الأول: التعرض لجرعات قوية من التعليم ذي النكهة الأوروبية حتى يصير متلقي هذا النوع من التعليم يربط بين التقدم والغرب ربطًا تلقائيًا، وإذا قلنا النهضة فلا يتبادر إلى ذهنه إلا نهضة عصر التنوير، واستعمار القلوب أقوى أنواع الاستعمار وأشدها خطرًا وأفتكها بكيان الأمم، كما قال مصطفى صبري في رائعته “قَوْلي في المرأة”. والثاني: الامتيازات التي يحصل عليها ذلك المتعلم عند حصوله على وظيفة عند من عمله، التي يقتضي الحفاظ عليها والترقي فيها أن تجلس المبادئ التي تربى عليها، والشريعة التي يتعبد بها في المقعد الخلفي، بينما يتولى الأوروبي زمام القيادة، قيادة يحطم فيها سياج الفضيلة تحت مسمى التقدم، ومن أشهر صوره تحرير المرأة.

تحرير المرأة بالإكراه
يمثل تحرير المرأة أحد أركان المعبد الليبرالي، الذي تقدس فيه الحرية، لكنها، وكما الخريطة، أتت على المقاس الأوروبي دون غيره، فللمرأة الحرية المطلقة في كشف المستور، أما ستره فهو نقيض الحرية، ويكأن الحرية عند القوم منحصرة في التعري دون غيره، حرية لم نسمع عنها ونساء غزة يُبدن، ومن قبلهن نساء سورية، وقبلهن نساء البوسنة والهرسك، كلهن ضحايا نفس المنادي بحريتهن، الذي يمسك بمكبر الصوت في يد، ويده الأخرى على الزناد. والذي لا يرى في المرأة التي وقفت أمام نيرانه المستعرة، وخسرت زوجها وابنها وأخاها وعمها وخالها، امرأة يستحق أن يكتب اسمها بماء الذهب في تاريخ الإنسانية، لكنه يرى في المرأة التي خلعت ثياب الفضيلة إلا نزرًا يسيرًا مما لا يحصل به ستر أصلًا، لتجابه الشمس الحارقة على أحد الشواطئ، يرى فيها رمزًا للحرية التي يجب أن تسعى كل امرأة للحصول عليها. نضف إلى ذلك استماتتهم لمساواة المرأة بالرجل، وفي ذلك يقول مصطفى صبري: إن النساء السافرات لا يكتفين بالكشف عن أعضائهن بحد ما يكشف عنه الرجال من أعضائهم، في حين أن غاية ما يطلب لهن من الحقوق هي المساواة بالرجال، فلا بد أن يكون مغزى لهذا الفرق العظيم بين الجنسين في التلبس والتعري، ولا بد أن يكون مغزاهن في الميل إلى التعري، سواء كان في الشرق أو الغرب، تغذية عيون الناظرين. ويؤيد صحة كلامه ما شهد به شاهد من أهلها، وهي الروائية الشهيرة مارجريت آتوود، إذ تقول على لسان إحدى الشخصيات في روايتها العروس اللص: خيالات الرجال، خيالات الرجال، أكلُّ شيءٍ تحكمه خيالات الرجال؟ حين تدعين أنك تتزينين لنفسك، ففي الحقيقة أنت تتجملين لهذا الرجل الذي دومًا ترين نفسك بعينيه.

تقارير دولية بنكهة أوروبية
تحدث د. جلال أمين، في كتابه، عن التقرير الصادر عن الأمم المتحدة بعنوان «التنمية الإنسانية العربية»، وفيه يعيب التقرير التخلف الاقتصادي العربي؛ إذ يفوق الناتج القومي الإجمالي لإسبانيا الناتج القومي الإجمالي لـ12 دولة عربية مجتمعة، ويظهر هنا التلاعب بالإحصاءات من أجل التضليل، وهي إستراتيجية معروفة تم تناولها في عدة كتب. فمن صور هذا التلاعب:
1- أن 7 من هذه الدول عدد سكانها مجتمعة لا يصل إلى نصف عدد سكان إسبانيا.
2- اختيار إسبانيا التي لا يتبادر إلى الذهن اسمها عند الحديث عن الكبار في لعبة الاقتصاد العالمية، إمعانًا في التنقيص من شأن العرب.
3- الاعتماد على الناتج القومي الإجمالي بوصفه المعيار الأوحد الذي به يقاس رغد الشعوب، معيار أثبت فشل اعتماده غير مرة، وعدم دقته في توصيف الوضع الحقيقي للدول، فهذه الولايات المتحدة لا يلحق أحد بغبارها في هذا المضمار، ناهيك أن يجاور ركابها، ومع ذلك تجد المشردين أينما يممت وجهك في شوارعها، ومواطنوها لا يتمتعون بأدنى حقوق الرعاية الصحية، فما نفع الناتج القومي لأمة إذا لم يطعم سكانها من جوع أو يؤمنهم من خوف؟! ومما ذكرنا يتضح أن التقدم والتخلف ما هي إلا رُقَّى من السحر ينيم بها الأقوياء عقول الضعفاء، فإن لم يستنيموا بالأناشيد والرقى، فليموتوا بالحديد والنار!

تواصل معنا

انضم إلى نشرتنا الاخبارية

حقوق الملكية ©AATWorld 2023. جميع الحقوق محفوظة. AATWorld

من نحن

هنا في مجموعة AAT ، يتعرف التجار ورجال الأعمال والمصنعون والمستوردون والمصدرون على بعضهم البعض ويتعاونون على الرغم من المسافات والبلدان واللغات المختلفة.

Newsletters

لا تخسر العروض والفرص التجارية

انضم إلى قائمتنا البريدية لتلقي آخر أخبار المنتجات وتحديثات الصناعة من التجارة العربية الآسيوية

2026@ AATWorld  | جميع الحقوق محفوظة.