بقلم: د. مصطفى حسانين نصار
في ظل حالة الاستضعاف التي تعيشها أمة الإسلام حالياً، تتعدد أزماتها وتتنوع انعكاساتها السلبية، ومن بينها جميعاً تبرز أزمة الهُوية الإسلامية كأشد هذه الأزمات وأكثرها تعقيداً، ومع خطورة الدور الذي يمارسه أعداء أمتنا في هذا السياق، فإن الأخطر والأهم هو دورنا نحن أبناء الأمة في تشكُّل هذه الانتكاسة الخطيرة؛ من حيث علاقتنا بهويتنا وذاتيتنا الحضارية، أي كينونتنا كأمة لها دينها وتراثها وتاريخها ودورها، ولها أيضاً واقعها الراهن المتهاوي.
وهذا موضوع مقالنا، الذي يتناول هذه العلاقة قوةً وضعفاً، ورفضاً وقبولاً، في محاولة للإجابة عن عدد من التساؤلات الرئيسة في هذا السياق: ما طبيعة هذه الأزمة؟ وما مدى خطورتها؟ وكيف نشأت؟ ولماذا؟ وما أعراضها الظاهرة والباطنة؟ وكيف السبيل للخروج منها؟
أساس الأزمة.. الانهزام النفسي أمام تفوق الآخر
نتيجة لانسحاب أمتنا من ساحات الفعل الحضاري الناجز، والضعف الشديد الذي أصابها روحاً وجسداً منذ عقود، والآخذ في التصاعد باطّراد، فقدت نسبة كبيرة من أبناء مجتمعاتنا المسلمة الثقة في هويتهم، في ذاتهم الحضارية، بل وصل الأمر إلى حد تنكُّر بعضهم لها بالكلية ومحاولة النأي بأنفسهم عن دائرتها؛ ما يعني أنهم سقطوا في هوة الانهزام النفسي، أمام طوفان النموذج الغربي الجارف البرّاق بالأساس، ثم أمام جميع النماذج الفاعلة حضارياً في أرجاء الدنيا، ساعد على هذا ضعف تحصينهم الديني وتردّي مناعتهم النفسية وتداعي بنيتهم الفكرية بوجه عام.
أعراض الأزمة
أما عن مظاهر هذا الانهزام النفسي وأعراضه فهي متعددة، منها ما هو متعلق بأعماق الشخصية، مثل تبنّي نظرة الآخر إلى الوجود وغايته، وكذا تبنّي فلسفاته في تفسير الأحداث والتحولات ونحوها، وتقييم الأمور بميزانه الذي قد يكون المادة أو المتعة.. وهي الأمور التي تؤثر في سلوكيات الإنسان وقراراته واختياراته، ومنها ما يتعلق بأنماط الشكل والمظهر، بل وأنماط الطعام والشراب ونحوها.
وهنا نريد أن نلفت النظر إلى أن الهُوية لا تتجسّد فقط في المكوّنات الرئيسة للعقل الجمعي لأبناء الأمة مثل نظرتهم إلى معنى الحياة، والغاية منها، ورسالتهم فيها، وفلسفتهم في التعاطي مع مفرداتها، ومنظومة القيم التي تضبط أقوالهم وتحكم أفعالهم وتهذّب حتى شعورهم، إلى آخره من هذه الأُسُس المستمدة، أو التي يجب أن تُستمد، من تعاليم دينها، بالإضافة إلى التراث الموحَّد الجامع، ومكنونات الوجدان العام ووحدته.
بل ثمة أمور ربما يراها البعض بسيطة ولا ترتقي إلى أن تُعَدّ جزءاً مكملاً للهوية، مثل تلك المتعلقة بأنماط المظهر والطعام والشراب.. إلا أنها على عكس هذا تماماً، فهي متصلة بالهوية اتصالاً مباشراً؛ لأنها وإن كانت أموراً ظاهرية بسيطة، فإنها تعكس جانباً من فلسفة المجتمع في الحياة، ومدى اتصال الفرد بتراثه وتاريخ أمته، بالإضافة إلى أنها مؤشر مهم لقياس مدى تقبل الفرد لذاته.
فعندما تسير خلف الآخر في حركاته وسكناته، وتحاكي أنماطه المعيشية، كالسلوك ونوعية الطعام، بل وأحياناً طريقة تناوله، وكذا اختياراته في ملبسه وهندامه، وحتى تصفيفه لشعره، وصولاً إلى طريقته في التحدث والسير.. فهذا يعكس عدم رضاك عن جانب من ذاتك أو هويتك، ويعني كذلك أنك تنازلت عن جزء منها، تماما كما يعكس تمسكك بأنماط مجتمعك الأصيلة أو الأصلية اعتزازك بهويتك وتقبلك لذاتك.
هذا لا يعني أننا ضد التطور والإضافة، بل واستعارة كل ما هو جميل ومفيد من الآخرين، غير أن ثمة أمرين مهمين في هذا السياق؛ أولهما: أن أدقق للغاية في مدى موافقة هذا الشيء لديننا وقيمنا وأعرافنا الاجتماعية، وثانيهما: أن أستعير الشيء لفائدة يحققها أو ربما لجمال شكله، وليس فقط، أو ليس لأنه بالدرجة الأولى، اختيار الآخر المتقدم، الذي يدفعني انبهاري بتفوقه إلى السير خلفه وتقليده؛ لأن هذا يشعرني أنني جزء منه أو أنني متفوق مثله أو قريب منه.
فهذا المعنى الأخير يعني ارتباطي بهذا الآخَر وتبعيتي له روحاً وعقلاً ووجداناً، حتى وأنا أعيش في بلدي وبين أهلي، وهذا هو الحد الفاصل بين رفض الذات والتحول إلى مجرد ظل تابع للآخَر، وبين الاعتزاز بالهوية مع الانفتاح الإيجابي على العالم من حولنا والتفاعل المثمر مع شركائنا فيه.
كيف نقرأ واقعنا الراهن ونتجاوز الأزمة؟
إلى أن تتمكن أمتنا من عبور هذه المحنة التاريخية القاسية وردم الفجوة الحضارية بينها وبين من تقدموا عليها، واستعادة المكانة اللائقة بها، بل ولكي تتمكن من فعل هذا كله، نقول لهؤلاء الذين سقطوا في هُوة الانهزام النفسي والروحي ودخلوا في خصومة مع هويتهم:
هل وُلدت أمتنا على حالتها هذه؟ ألم تتسيّد أمتكم الدنيا وتتربع منفردة على قمة العالم وبصورة مبهرة لقرون طويلة، كانت فيها الفاعل الأوحد في مسار الحضارة الإنسانية، وحاملة راية العلم والناطقة باسمه حصراً؟
من ناحية أخرى، هل تتصورون أن أمتنا هي الوحيدة التي اعترتها حالة الضعف والانكماش في إحدى مراحل تاريخها؟
هل وُلد الغرب أو غيره متقدماً فاعلاً مثلما هي حاله اليوم؟
كيف كانت أحوال الغرب في العصور الوسطى التي ينعتونها هم أنفسهم بـعصور الظلام؟ في عصور أوروبا المعتمة، حينما كان الظلام والجهل والخرافة والمرض تلف أوروبا في تلابيبها من أقصاها إلى أقصاها، كان القساوسة هناك يحذرون الشباب الأوروبي الذي تلقى تعليمه في بلاد العلم والحضارة -التي هي بلادنا نحن المسلمين- من استعمال المفردات العربية وإقحامها في حديثهم، ليظهروا أنهم درسوا في البلدان المتقدمة الرائدة، مشددين -القساوسة- على أن في هذا خطر عظيم على مستقبل أممهم في ربوع أوروبا.
أي أن ما أصابنا قد أصاب غيرنا، لكن إن جاز منهم هذا التداعي النفسي والانهزام الذاتي ردحاً من الزمن، فلا يجوز لأمة بين أيديها كتاب ربها سبحانه وسُنة نبيها صلى الله عليه وسلم، بما يحملان من منهج الله الخالد، أن ييأسوا ويرفضوا ذاتيتهم ويخجلوا منها!
من ناحية أخرى، لنا عبرة في النهضة القوية لهؤلاء بعد قعودهم الطويل، إذ لم يركنوا إلى حالة الضعف والتخلف، ولم يُسلموا أنفسهم لليأس أبد الدهر، بل جدّوا وثابروا وكافحوا ردحاً طويلاً من الزمن، حتى أصبحوا على ما نرى اليوم، وهذا هو ما يتوجب علينا فعله.
إن واجب الوقت التصالح مع هويتنا، وقبول ذاتنا، والإيمان بقيمة ما لدينا، بالتوازي مع العمل الجاد المنظم والجد والكفاح والمثابرة، والتكاتف والتكامل والتعاضد، لا أن نذوب في الآخر، ونتبنّى رؤاه وفلسفاته وأيديولوجياته وقيمه.
فهل تقليدك الآخَر، سواء في جوهره وفلسفاته وأفكاره، أو في سلوكياته ومظاهر حياته وأنماطه المعيشية، من شأنه أن يغيّر شيئاً من أوضاعك؟ أليس من شأن هذا أن يجعلك مسخاً بلا هوية أو خصائص متفرّدة أو ذاتية متمايزة، فلا أنت أبقيتَ على انتمائك الأصيل، ولا حتى تقبلك الآخر واعترف بانتمائك الحقيقي إليه وعدّك جزءاً من بنائه الحضاري؟!
ألا فلنعلم يقيناً أن الأمم تمرض كما الأفراد، وأن أمراضها قابلة للزوال كما الأفراد، فتسترد عافيتها الحضارية إذا صبر أبناؤها على دائها، ولم يرفضوا ذاتيتهم، بالتوازي مع التداوي والأخذ بأسباب التعافي والنهوض.


