ليس كل المتفوّقين أوائل… وليس كل المتعثّرين فاشلين

بقلم: جمال سعد

في كل عام، ومع إعلان نتائج المدارس والجامعات، تتحول آلاف البيوت العربية إلى ساحات من القلق والتوتر، بعض الأسر تحتفل بالنجاح، بينما يعيش آخرون ساعات صعبة بسبب درجات جاءت أقل من التوقعات أو رسوب في مادة أو عام دراسي كامل. ورغم أن التقارير الدولية تشير إلى أن النجاح المهني والحياتي لا يرتبط بالتحصيل الدراسي وحده، فإن قطاعاً واسعاً من مجتمعاتنا ما زال ينظر إلى الدرجات باعتبارها المعيار الوحيد للحكم على مستقبل الأبناء، وهو ما يضاعف الضغوط النفسية على الطلاب في مرحلة هم أحوج ما يكونون فيها إلى الدعم والتوجيه لا إلى الإدانة والتقريع. ويؤكد علماء التربية وخبراء التنمية البشرية أن التعثر الدراسي لا يمثل نهاية الطريق، بل قد يكون فرصة لإعادة اكتشاف الذات وتصحيح المسار، خاصة أن الواقع والتاريخ يقدمان نماذج كثيرة لأشخاص تعثروا في بداياتهم ثم نجحوا في مجالات أخرى صنعت لهم مكانة وتأثيراً يفوقان ما حققته الشهادات الدراسية وحدها.

حكم متعجل
يرى أ.د. محمد صالح الإمام، المستشار السابق لوزير التربية والتعليم المصري، أن أكبر خطأ ترتكبه بعض الأسر هو تحويل النتيجة الدراسية إلى حكم نهائي على قدرات الطالب ومستقبله. ويؤكد أن الرسوب أو انخفاض الدرجات لا يعني بالضرورة ضعف الذكاء أو غياب الموهبة، فالدراسات الحديثة تتحدث عن أنماط متعددة للذكاء، منها الاجتماعي والإبداعي والقيادي والعملي، بينما تركز كثير من نظم التعليم التقليدية على نوع واحد من المهارات المرتبطة بالحفظ والاختبارات. ويضيف أن المطلوب بعد أي تعثر هو البحث عن الأسباب الحقيقية للفشل، سواء كانت مرتبطة بطريقة المذاكرة أو الظروف الأسرية أو البيئة التعليمية أو عدم توافق التخصص مع ميول الطالب وقدراته.

مواهب خفية
ويشير خبراء التربية إلى أن كثيراً من الطلاب يكتشفون مواهبهم الحقيقية بعد تجربة التعثر، عندما يتجهون إلى مجالات تتناسب مع قدراتهم الفعلية. فأسواق العمل الحديثة أصبحت تمنح قيمة متزايدة للمهارات العملية والتقنية واللغوية والإبداعية، ولم تعد الشهادة الدراسية وحدها كافية لصناعة النجاح المهني كما كانت الحال في العقود السابقة. ومن هنا تأتي أهمية التعلم المستمر واكتساب المهارات الجديدة والاستفادة من المنصات الرقمية وبرامج التدريب المتخصصة التي تتيح فرصاً واسعة للتطوير الذاتي وإعادة بناء المستقبل.

يأس مرفوض
من جانبه، يؤكد أ.د. حمدي حسن، وكيل كلية التربية بجامعة الأزهر، أن المسلم مطالب بالأخذ بالأسباب دون الاستسلام للإحباط أو اليأس. ويشير إلى أن الابتلاء سُنة من سنن الحياة، وأن كثيراً مما يظنه الإنسان شراً قد يكون باباً لخير أكبر، مستشهداً بقوله تعالى: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) (البقرة: 216). ويضيف أن التعثر الدراسي يجب أن يدفع صاحبه إلى مراجعة نفسه واكتشاف مواطن الخلل وتصحيحها، لا إلى الانسحاب من معركة الحياة أو الاستسلام لمشاعر الفشل.

نجاح متأخر
وتؤكد أ.د. أميرة يوسف، عميد كلية البنات للآداب والعلوم والتربية بجامعة عين شمس، أن التاريخ الإنساني مليء بقصص أشخاص لم تكن بداياتهم سهلة. وتوضّح أن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد مرات السقوط، وإنما بالقدرة على النهوض من جديد والتعلم من الأخطاء والاستمرار في المحاولة. وتلفت إلى أن كثيراً من المبدعين ورواد الأعمال وأصحاب الإنجازات الكبرى مروا بمراحل من الإخفاق أو الرفض أو الفشل قبل أن يحققوا ما اشتهروا به لاحقاً، وهو ما يؤكد أن التعثر قد يكون محطة في الطريق لا نهاية له.

رسالة للأسر
ويجمع الخبراء على أن الدور الأهم بعد ظهور النتائج يقع على عاتق الأسرة، التي ينبغي أن تفرق بين تقييم الأداء الدراسي والنظر إلى قيمة الابن أو الابنة. فالطالب الذي أخفق في امتحان يحتاج إلى الاحتواء والتوجيه أكثر من حاجته إلى اللوم والتوبيخ، كما يحتاج إلى من يساعده على اكتشاف نقاط قوته ووضع خطة واقعية للمستقبل. وفي النهاية، تبقى النتائج الدراسية محطة مهمة في حياة الإنسان، لكنها ليست المحطة الأخيرة، فكم من متفوق دراسياً لم يحقق ما كان يحلم به! وكم من متعثر ظن الجميع أنه انتهى، فإذا به يفتح لنفسه باباً جديداً من النجاح والتميز، فالحياة أوسع من ورقة نتيجة، والإنسان أكبر من مجموع درجاته.

تواصل معنا

انضم إلى نشرتنا الاخبارية

حقوق الملكية ©AATWorld 2023. جميع الحقوق محفوظة. AATWorld

من نحن

هنا في مجموعة AAT ، يتعرف التجار ورجال الأعمال والمصنعون والمستوردون والمصدرون على بعضهم البعض ويتعاونون على الرغم من المسافات والبلدان واللغات المختلفة.

Newsletters

لا تخسر العروض والفرص التجارية

انضم إلى قائمتنا البريدية لتلقي آخر أخبار المنتجات وتحديثات الصناعة من التجارة العربية الآسيوية

2026@ AATWorld  | جميع الحقوق محفوظة.