هدر الطعام في الوطن العربي… 150 مليار دولار تُدفن في النفايات

في الوقت الذي تُصارع فيه العديد من الدول العربية شبح المجاعة الحقيقية، تكشف التقارير الاقتصادية عن فجوة أخلاقية وتنموية مرعبة؛ حيث تبرز ظاهرة هدر الطعام في الوطن العربي كأحد أكبر التحديات، إذ تُقدّر قيمة النفايات الغذائية بنحو 150 مليار دولار سنوياً.

هذا الرقم الضخم الذي يُلقى في «مقابر النفايات» يتجاوز كونه هدراً لموارد مادية، ليصبح عائقاً أمام أي محاولة للتحرر الاقتصادي أو السياسي، خاصة عند مقارنته بكلفة الصمود الأسطوري في قطاع غزة الذي واجه حرب تجويع ممنهجة استمرت لأكثر من عام.

فاتورة الترف.. جغرافيا هدر الطعام بالأرقام

لم تعد أرقام الإسراف مجرد إحصاءات عابرة، بل باتت تعكس أزمة سلوكية عميقة؛ إذ تشير البيانات إلى أن الفرد في بعض الدول العربية يلقي سنوياً بنحو 427 كيلوجراماً من الغذاء؛ ما يجعل هدر الطعام سلوكاً مكلفاً يحول الموارد مباشرة إلى نفايات.

وعلى الصعيد العالمي، يتم هدر 900 مليون طن سنوياً، وهي كمية تكفي لتعبئة 23 مليون شاحنة قادرة على تطويق الكرة الأرضية 7 مرات؛ ما يضع المنطقة العربية في مرتبة متقدمة عالمياً ضمن قائمة الأكثر استهلاكاً وإهداراً.

هندسة الاستهلاك… ضحايا «سحرة الشاشات

لا يعود هذا الخلل إلى الصدفة، بل هو نتاج هندسة سلوكية تزيد من معدلات هدر الطعام عبر المتاجر الكبرى؛ حيث تم توسيع حجم عربات التسوق بنسبة 40% لدفع المستهلك لملئها؛ ما يرفع نسبة الشراء غير الضروري بمعدل 23%.

هذا النمط الاستهلاكي تدعمه آلة إعلامية ضخمة يقودها مؤثرون يبرمجون الوعي العربي نحو التبعية، متجاهلين الضوابط الشرعية التي تحث على الاعتدال، كقوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: 31).

التناقض الصارخ.. الخبز في مواجهة الجوع

تتجلى الفاجعة الإنسانية عند مقارنة فائض الموائد بفقر الخيام؛ فدولة عربية واحدة فقط تسجل أرقاماً قياسية في هدر الطعام وخاصة الخبز بما يزيد على 113 ألف طن سنوياً، بينما يقتات النازحون في غزة والسودان والصومال على بقايا الزرع للبقاء على قيد الحياة.

إن تحويل الخبز إلى وقود للحاويات في المدن المستقرة، يسلب حق الوجود من الفئات الأكثر هشاشة، ويرسم خريطة جوع تتغذى بشكل مباشر على إسراف المجتمعات المجاورة.

رمضان… من الزهد إلى ذروة هدر الطعام

المفارقة الأكبر تحدث في شهر رمضان المبارك، الذي يُفترض أن يكون مدرسة لضبط النفس؛ حيث يُسجل فيه وحده نحو 30% من إجمالي الهدر السنوي، وتصل كميات هدر الطعام في القمامة إلى 600 طن يومياً خلال الشهر الفضيل؛ ما يحول العبادة إلى عادات استهلاكية شرهة تتناقض جذرياً مع المقاصد الشرعية للصيام والهدي النبوي الشريف: «ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه».

الاستقلال الوطني يبدأ من الوعي الغذائي

إن معركة السيادة والقرار لا تنفصل عن باب الثلاجة؛ فالمجتمعات التي لا تملك السيطرة على استهلاكها تظل أسيرة للتبعية الاقتصادية، لقد كان نهج الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشرافياً حين سأل: «أَوَكلّما اشتهيت اشتريت؟!»، واضعاً حجر الأساس للأمن القومي المعتمد على كبح جماح الإسراف.

إن تغيير هذا الواقع يتطلب ثورة في الوعي المجتمعي؛ فكل وجبة نلقيها بلا مبالاة هي رصاصة في صدر الصمود العربي.

إن مواجهة ظاهرة هدر الطعام في الوطن العربي لم تعد خياراً بيئياً فحسب، بل هي ضرورة شرعية وأخلاقية لحفظ كرامة الإنسان وتأمين مستقبل الأمة في ظل عالم لا يحترم إلا من يملك العدة والعتاد.

تواصل معنا

انضم إلى نشرتنا الاخبارية

حقوق الملكية ©AATWorld 2023. جميع الحقوق محفوظة. AATWorld

من نحن

هنا في مجموعة AAT ، يتعرف التجار ورجال الأعمال والمصنعون والمستوردون والمصدرون على بعضهم البعض ويتعاونون على الرغم من المسافات والبلدان واللغات المختلفة.

الاخبار

Newsletters

لا تخسر العروض والفرص التجارية

انضم إلى قائمتنا البريدية لتلقي آخر أخبار المنتجات وتحديثات الصناعة من التجارة العربية الآسيوية

2026@ AATWorld  | جميع الحقوق محفوظة.