الذكاء الاصطناعي.. تطور أم غزو فكري؟

بقلم: هند معوض

يشهد العالم تطوراً تكنولوجياً متسارع الخطوات، ومن أبرز ملامح ذلك التطور ظهور تطبيقات الذكاء
الاصطناعي في الآونة الأخيرة، التي تعد من أكثر المواضيع المثيرة للجدل، خاصة عقب انتشارها
بشكل واسع بين كافة المجتمعات والطبقات وكذا الأعمار.
ونظرًا لتأثير «الذكاء الاصطناعي» القوي على مختلف مناحي الحياة الإنسانية والاجتماعية، فقد
اختلف البشر إلى فريقين؛ أحدهما يراه تطورًا طبيعيًا للثورة التكنولوجيا في العصر الحديث بشكل يعمل
على خدمة البشر وحل مشكلاتهم، بينما يراه الفريق الآخر يمثل غزوًا فكريًا وثقافيًا، يسلب الوعي
ويهدد الهوية ويحل محل البشر في الكثير من المهام والوظائف ما يهدد حياتهم وأعمالهم بالخطر.
ومن هنا حاولنا أن نقف وقفة من خلال هذا المقال لنعرف ما الذكاء الاصطناعي؟ وهل هو تطور
تكنولوجي داعم لحياة البشر، أم غزو فكري وثقافي يعرض حياتهم للخطر؟

ما الذكاء الاصطناعي؟
الذكاء الاصطناعي أحد المجالات العلمية التي تعمل على تصميم وتطوير أنظمة وحواسيب قادرة على
محاكاة القدرات المعرفية للإنسان، وقد نشأ مصطلح الذكاء الاصطناعي في عام 1956م في مؤتمر
علمي في كلية دارتموث، وقد وصف أحد الآباء المؤسسين للذكاء الاصطناعي مارفن مينسكي بأنه
«علم صنع الآلات التي تقوم بأشياء تتطلب الذكاء إذا قام بها الرجال».
إلا أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة قد تطورت لإظهار قدرات حل المشكلات لمهام مثل الإدراك
البصري، والتعرف على الكلام، والتخطيط، وصنع القرار، والترجمة بين اللغات، ويمكنه معالجة
تيرابايت البيانات والرؤى في الوقت الفعلي، وإثبات أنفسهم كتقنيات مرنة وسريعة الاستجابة تزيد من
قدرات المستخدمين البشريين وتزيد من الكفاءة والإنتاجية والرضا في مكان العمل.

وبذلك نرى أن يد الذكاء الاصطناعي قد توغلت في كل المجالات بقوة مذهلة لتمنح البشر حياة أفضل،
وفي ذات الوقت تمثل تهديداً يطال وظائفهم ومصادر أرزاقهم.

ثورة علمية وتكنولوجيا مذهلة
إن دخول مصطلح الذكاء الاصطناعي في حياة البشر يمثل تطوراً علمياً وتكنولوجياً هائلاً، حيث إنه
دخل في مجالات عدة، حتى إن كافة الأعمار والفئات وكذا كافة التخصصات باتت تقبل عليه من
منظور أنه القادر على حل المشكلات المستعصية وتسهيل حياة البشر في أمور عدة، كما تم استخدامه
في العديد من المجالات والوظائف للوصول لأسرع وأفضل النتائج، ومنها:
– التعليم: يستخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز التعليم وتقديم تجربة تعلم متميزة وجذابة للطلاب من
خلال الألعاب التعليمية والمختبرات الافتراضية وغيرهم.
كما يمكن للذكاء الاصطناعي أتمتة المهام الإدارية المتكررة للمعلمين، مثل تصحيح الاختبارات وإعداد
التقارير الخاصة بالمعلمين.
وكذا توفر برامج التعلم عن بُعد فرصاً تعليمية للطلاب من ذوي الاحتياجات الخاصة ومن يسكنون في
المناطق البعيدة والنائية.
وتحلل برامج الذكاء الاصطناعي كافة البيانات المتعلقة بأداء الطلاب مهما كانت كبيرة، وذلك يوفر
جهد ووقت المعلمين ويساعدهم على اتخاذ قرارات تتعلق بعمليات تطوير المناهج ودعم الطلاب.
– الطب والرعاية الصحية: اقتحمت تطبيقات الذكاء الاصطناعي مجال الرعاية الصحية بقوة، حيث
تستخدم في التشخيص والعلاج والرعاية التلطيفية، وكذا تحليل بيانات الصور الطبية؛ ما يساعد على
التشخيص وتحديد المرض بدقة؛ وبالتالي تحديد العلاج المناسب وتطوير خطط العلاج.
– الصناعة: دخلت برامج الذكاء الاصطناعي المجال الصناعي وساهمت في مراقبة المعدات
وتطويرها، واتخاذ الإجراءات الخاصة بسلامة العمال وأمنهم، وكذا تحديد مواطن الخطر لتوجيه
العمال لتجنبها، وتحديد أهم الطرق التي تحدد الجودة والكفاءة في العمل.
– النقل: يعتبر مجال النقل والمواصلات من المجالات التي وصلت إليها برامج الذكاء الاصطناعي
وعملت على تطويرها من أجل تحسين السلامة وكفاءة النقل؛ ما يسهم في تقليل حوادث الطرق
وتحسين تجربة القيادة.

– التسويق: عملت برامج الذكاء الاصطناعي على تحسين تجربة العملاء وزيادة المبيعات، وذلك من
خلال استخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد الإعلانات الخاصة بالعملاء بناء على اهتماماتهم أو لتحديد
المنتجات التي من الممكن أن يشتريها من خلال تحليل البيانات.
– الخدمات المالية: تستخدم البنوك وشركات الاستثمار برامج الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات
واتخاذ القرارات المالية الصائبة، وتجنب عمليات النصب والاحتيال.
مما سبق يتضح لنا أن الذكاء الاصطناعي اقتحم كافة المجالات في حياة البشر، وساهم في تطويرها
وقدم تجارب ناجحة تقود البشرية للتطور والإبداع في مجالات عدة؛ ما يمثل ثورة تقنية رقمية عاذلة،
ولكن على الجانب الآخر تتزايد الشكوك حول تلك البرامج حيث يعتبرها البعض تهديداً للبشر
واستبدالها بدورهم في مجالات عدة، وكذا يعد غزواً فكرياً وثقافياً يهدد الهوية والثوابت.

غزو فكري وثقافي يهدد الهوية والثوابت
لا ننكر أنه رغم ما قدمه الذكاء الاصطناعي من خدمات جليلة للبشر طالت كافة مناحي الحياة، فإنه
يحمل في طياته تهديدات فكرية وثقافية كبيرة.
– تغول الآلة وتهديد القيم والهوية: من أكبر المخاوف التي تتزايد من انتشار برامج الذكاء
الاصطناعي هي مخاوف من تغول الآلات وسيطرتها على المجتمعات، بالتبعية وسيطرتها على حياة
البشر وضعف القدرات العقلية البشرية وغياب التفكير النقدي، بل وتوجيه البشر وفق اتجاهات
ونظريات محددة وما يتبعه من ضعف الهوية الثقافية للبشر وغياب الكثير من الثوابت والقيم
الإنسانية، وهذا يمثل غزواً فكرياً وثقافياً يهدد عقول البشر وهويتهم وثقافتهم.
– السيطرة على سوق العمل: من أشد الأمور المقلقة للبشر من التوسع في استخدام برامج الذكاء
الاصطناعي التأثير المباشر على الوظائف التقليدية واستبعاد العمالة البشرية من الكثير من المهن
لتحل الآلة محلها؛ وبالتالي ستختفي الكثير من المهن التقليدية وظهور مهن ووظائف جديدة تحتاج
لمهارات جديدة لا تتوفر بشكل كبير في سوق العمل، وبالتالي تنشأ فجوة رقمية بين الوظائف المتاحة
والمطلوبة وتزداد البطالة وتتقلص فرص العمل.

هل يستطيع الإنسان تحقيق التوازن بين الفائدة والتهديد؟

مع تزايد المخاوف من انتشار برامج الذكاء الاصطناعي، وكذا اقتحامها لكافة المجالات حاملة التطور
والتجديد، كان لزاماً أن نعرف أن تلك البرامج هي وسيلة مهمة تجمع في طياتها بين الخير والشر،
ويكمن الحل في حسن استخدامها بما يخدم البشرية ويحقق لها الخير والنماء؛ لذا فمن الواجب أن
يسعى البشر جاهدين لتحقيق التوازن بين مخاوفهم والفائدة المرجوة من استخدام تلك البرامج وذلك
بالسعي الدؤوب لاكتساب مهارات جديدة تتوافق مع متطلبات سوق العمل، وكذا تطوير تلك البرامج
لتتوافق مع القيم والثواب الإنسانية والعمل على تطويرها لتحمل الخير والراحة للبشر، وكذا فرض
القوانين الصارمة التي تحكم استخدام برامج الذكاء الاصطناعي ومنع التجاوزات الخاصة بها، وبذلك
تتحول تلك البرامج لوسيلة نهضة وبناء يعم خيرها البشرية جمعاء.

تواصل معنا

انضم إلى نشرتنا الاخبارية

حقوق الملكية ©AATWorld 2023. جميع الحقوق محفوظة. AATWorld

من نحن

هنا في مجموعة AAT ، يتعرف التجار ورجال الأعمال والمصنعون والمستوردون والمصدرون على بعضهم البعض ويتعاونون على الرغم من المسافات والبلدان واللغات المختلفة.

الاخبار

Newsletters

لا تخسر العروض والفرص التجارية

انضم إلى قائمتنا البريدية لتلقي آخر أخبار المنتجات وتحديثات الصناعة من التجارة العربية الآسيوية

2025@ AATWorld  | جميع الحقوق محفوظة.