لغة «الكومباوند» و«المول» في الدراما العربية.. أزمة هوية

بقلم: د. مصطفى عطية جمعة

أزمة كبرى تمرّ بها الدراما العربية، تظهر بوضوح فيما تبثه المسلسلات التلفازية المنتجة من قبل القنوات الخاصة والمنصات الرقمية، حيث نلمس تراجعاً كبيراً في طبيعة الموضوعات المتناولة، وضعف بنائها الدرامي، وخيوط حبكتها، بجانب تدني مستويات الحوار بين الشخصيات، وكثرة المفردات الأجنبية الواردة على ألسنة الممثلين، وبالأخص إذا كانت تعبر عن مجتمعات النخبة، هؤلاء الذين يعيشون داخل “الكومباوندات” المحاطة بأسوار عالية ونظم حراسة على مدار الساعة، أما قاطنوها فهم أبناء الفئات الثرية التي يُطلَق عليهم جوازاً “الطبقة المخملية”، ففيلاتهم أنيقة وشققهم فاخرة وسياراتهم فارهة، وهم غالباً من خريجي المدارس ثنائية اللغة والجامعات الخاصة والأجنبية، كما يدرس أبناؤهم أيضاً في هذه المدارس، لذا تشيع على ألسنتهم الكثير من العبارات والكلمات الأجنبية، أو بالأدق يتحدثون “عربية مكسرة” بينما يرطنون الإنجليزية بطلاقة عالية ويدمنون مشاهدة الأفلام والمسلسلات الأجنبية.

هؤلاء أيضاً نجدهم متسوقين في المولات الفاخرة التي تتعمد وضع أسماء أجنبية على لافتاتها وتبيع محلاتها منتجات بأسعار فلكية لا يقدر على شرائها إلا المخمليون، إنهم طبقة تشكلت منذ بداية القرن الحادي والعشرين وتعاظم وجودها في المجتمعات العربية مع نمو الشركات الاستثمارية وتعاظم قطاع الأعمال وغزو العولمة الاقتصادي والثقافي.

ولو أخذنا مثالاً على ذلك في مصر، فإن إحصائيات البنك الدولي لعام (2025) تشير إلى ارتفاع معدل الفقر إلى 33.5% في 2021 (بمقياس تعادل القوة الشرائية)، مع إشارة إلى أن أكثر من 66% يعيشون تحت خط الفقر، بينما هناك فئة شديدة الثراء لا تتجاوز نسبتها 5% من تعداد الشعب يتنعمون بغالبية ثروات الوطن.

دراما الكومباوندات واستفزاز الفئات الكادحة

وتتمثل الأزمة على صعيد الدراما المرئية في ظهور فئة من المسلسلات العربية فيما يسمى “دراما الكومباوندات والمولات”، تعبر عن نمط حياة هذه الشريحة وتستفز في المقابل الشرائح الاجتماعية البسيطة والفقيرة والمهمشة، وكذلك أبناء الطبقة المتوسطة، هؤلاء الساكنون في أبنية وأحياء فقيرة وضعيفة في خدماتها، ثم يشاهدون على شاشات التلفاز مستويات فارهة من المعيشة وهي بعيدة كل البعد عن تبعات الفقر والطبقة الكادحة، فتناقش موضوعات مثل الخيانة الزوجية والكوميديا المصطنعة والرومانسية المتمحورة حول اختيار الشريك المناسب أو تركه بعد قصة حب طويلة وخلافات عديدة، وكلها موضوعات مستهلكة في الأفلام والمسلسلات العربية قديماً وحديثاً، وإن كانت تُقدَّم بطرائق أكثر واقعية وبأحداث لا تنأى كثيراً عن واقع الحياة العربية.

المفارقة في هذه المسلسلات الجديدة أن الحوار بين الشخصيات يأتي بعامية مائعة ممزوجة بألفاظ وتعبيرات إنجليزية في سعي حثيث من كتّاب السيناريو إلى التعبير عن طبيعة الثقافة واللغة لدى هذه الفئات بدعوى الواقعية والتعبير الحقيقي عن شخصياتها.

مسلسل “ورد وشوكولاتة” والترف الفكري

والمثال على ذلك مسلسل “ورد وشوكولاتة” المنتج عام (2025)، يحكي قصة إعلامية ومقدمة برامج في قناة خاصة تُدعى “مروة” تقع في حب محامٍ غامض “صلاح” وتتحول علاقتهما إلى صراع بين الحب والسيطرة والخداع، وهي مستوحاة من قصة حقيقية لشيماء جمال التي لقت مصرعها على يد مستشار في القضاء، وقد حقق المسلسل نجاحاً كبيراً وتم الإعلان عن التحضير لموسم ثانٍ بقصة جديدة.

إذا تأملنا اللغة المنطوقة على ألسنة أبطال المسلسل سنلحظ كماً كبيراً من المفردات الأجنبية، خاصة البطلين، فـ “مروة” تستخدم مفردات إنجليزية في تقديمها لبرنامجها الـ “توك شو Talk Show” وتحاور العاملين خلف الكاميرا (في الكواليس) بالإنجليزية، والأمر نفسه مع “صلاح” الذي يدير شركات صهره (والد زوجته) وكثيراً ما يحادث الموظفين بالإنجليزية أو يذكر تعبيرات عن أعمال إدارية وصفقات تجارية مستخدماً مصطلحات أجنبية، ناهيك عن ابنة مروة وبنات صلاح، وكلهن يتعلمن في مدارس أجنبية ويتكلمن بعامية تحفل بكلمات إنجليزية، كما أن معلماتهن اللائي ظهرن يتحدثن بنفس الطريقة، وكأننا نعيش في بيئة تختلف عما يعيشه عامة المصريين، فالسيارات هي الأحدث، والأثاث هو الأفخم، والمدارس تقدم تعليماً مستوحى من النظام الأمريكي، والقصة التي يعرضها المسلسل بها كثير من الترف الفكري لأنها تتناول قصة قتل الإعلامية على يد زوجها “العرفيّ” لأنها تمسك عليه كثيراً من أوراق الفساد، فهي أقرب إلى الدراما البوليسية التي تنأى عن كثير من المشكلات التي يعانيها أبناء الشعب، وغابت في المقابل القصص الاجتماعية الهادفة التي كانت تقدمها الدراما المنتَجة في سنوات السبعينيات والثمانينيات، وكان الحوار فيها مهذباً لا تجد كلمة نابية ولا مشهداً مخلاً ولا ألفاظاً سوقية على نحو ما نشاهده في مسلسلات محمد رمضان وغيره.

الهرشة السابعة” وتغريب المفاهيم الاجتماعية

الظاهرة نفسها تتكرر في مسلسل “الهرشة السابعة” (2023) المأخوذ من مشكلة نفسية تُسمّى “هرشة السنة السابعة The seven year itch“، حيث تتغيّر علاقة الزوجين بعد مرور سبع سنوات على حياتهما المشتركة فيشعران بالملل والضجر بسبب روتين المعيشة المتكرر، وذلك من خلال قصتين أساسيتين، الأولى قصة “آدم ونادين” والثانية قصة “شريف وسلمى”، فشخصيتا آدم ونادين تنطبق عليهما المشكلة فقد تغيرت نفسيتهما وطبعهما وتفكيرهما بعد سبع سنوات من المعاشرة وبدآ يفكران في الانفصال لتجديد النفس، أما “شريف وسلمى” فهما يعيشان في سعادة نسبية مقارنة بالقصة الأولى.

سنلاحظ أن فكرة المسلسل مستوحاة من مفهوم أجنبي مغاير لثقافتنا وتقاليدنا العربية المنبثقة من روح الإسلام وهديه الذي يرى في الزواج مودة ورحمة وسكناً، فالعيش المشترك يصبغ الحياة الزوجية بالدفء ووجود الذرية يعمّق الارتباط ويزيد الأسرة تماسكاً، ومثل هذه الأفكار ناتجة عن الترف وتقلبات النفس وسعيها إلى إشباع شهواتها بسبب الملل، صحيح أن هناك مشكلات عديدة يمكن حدوثها في الحياة الزوجية، ولكن لا تتم معالجتها وفق المنظور الغربي الذي يغيّب القيم الدينية وينظر إلى الزواج على أنه عقد اجتماعي وليس ميثاقاً غليظاً هدفه التراحم وتربية الذرية ومواجهة تحديات الحياة.

علاقة مشروعة” والمنظور الغربي للزواج

والقضية نفسها تتكرر في مسلسل “علاقة مشروعة” (2023) الذي يتناول قصة رجل الأعمال “عمرو” المتزوج ولديه أبناء ويجد نفسه في دوامة علاقة سرية مع امرأة مطلقة “بثينة” مما يضطره للزواج منها سراً، وتتصاعد الأحداث لتناقش قضايا اجتماعية مثل الزواج الثاني والعنف الأسري وتأثيره على الأبناء خاصة بعد اكتشاف الابن للعلاقة، وتنتهي الأحداث بمواجهات وصدمات أبرزها مقتل بثينة عن طريق الخطأ على يد زوجة صديقه في محاولة لحل الأزمة ويأخذ المسلسل منحى بوليسياً.

حياة رجل الأعمال وأولاده في هذا المسلسل نموذج أيضاً للطبقة المخملية والحوار المنطوق على الألسنة تكثر فيه الكلمات الأجنبية، كما أن نمط المعيشة لأبطال المسلسل أقرب إلى الطابع الأمريكي، والقضية المطروحة مطروقة كثيراً من قبل، ألا وهي الزواج السري الثاني، وفي المنظور الشرعي لا بأس به شريطة أن يعدل الزوج مع زوجتيه وأن يتم الأمر بشكل يحفظ كرامتهما، كما أن العمل مصاغ بخلفية فكرية غربية تنظر باتهام إلى الزواج الثاني وأنه أقرب إلى الخيانة الزوجية رغم مشروعيته الدينية.

تغريب اللغة الإعلامية وظاهرة “العربيش”

وعلى صعيد البرامج التلفازية نجد تغريباً واضحاً في اللغة الإعلامية خاصة من قبل مقدمي البرامج أو الضيوف، فما أكثر المفردات الإنجليزية المتناثرة في برامج الحوارات والتوك شو، وكذلك في النشرات الإخبارية المتخصصة في النواحي الاقتصادية والتقنية، بجانب البرامج الرياضية والمحتوى الشبابي مثل برامج السوشيال ميديا حيث تكثر استخدام مصطلحات “العربيش Arabiclish” وهي لغة مزيج من العربية والإنجليزية لأسباب عصرية أو لتبسيط المفاهيم المعقدة أو للوصول لجمهور أوسع، وكذلك عند مناقشة مواضيع عالمية مثل “Trends”, “Impact”, “Challenge”, “Lifestyle“.

وفي المحتوى الشبابي والترفيهي عبر يوتيوب ومنصات التواصل نجد برامج “الـ Vlogs” وهي كلمة مشتقة من “Video Blog” وتعني “مدونة فيديو”، وهي عبارة عن محتوى مرئي يشارك فيه الشخص تجاربه الشخصية أو معلومات معينة عبر الفيديو بدلاً من الكتابة ويبثها على منصات مثل يوتيوب أو انستغرام وتُقدم بوصفها شكلاً من أشكال التدوين المرئي أو السجلات المصورة للحياة اليومية أو السفر أو أي موضوع آخر.

أيضاً تُستخدَم في المحتوى الكوميدي والحواري الكلمات الإنجليزية العامية أو الكلمات التي ليس لها مقابل عربي دقيق أو شاع استخدامه مثل “Chill”, “Vibe”, “Felt”, “Mood“، وفي البرامج الرياضية تكثر مصطلحات إنجليزية مثل “Goal”, “Penalty”, “Match”, “Coach”, “Fan” وصارت من المفردات المسلّم بها في هذا المجال.

غزو الميديا الرقمية وتراجع الهوية

ومن هنا نؤكد على غربة اللغة العربية الفصيحة وتغييب العامية المفصّحة في غالبية ما يتم بثّه في الإعلام والميديا العربية المعاصرة، مما يؤثر سلباً على المشاهد الذي ليس أمامه إلا الاستسلام البصري والفكري والسماعي للإعلام المرئي وقدراته المذهلة في التأثير المباشر على (المتلقيّ) فرداً كان أو جماعة، بل يجعله لا يبدي أية مقاومة، وبالتالي يتحكم في توجهاته ويعيد صياغة معجمه اللغوي ويغيّر من قناعاته الفكرية وفق سياسات المادة الإعلامية ولغاتها المبثوثة، مما يؤدي إلى التطابق بين المقدَّم إعلامياً وما ينعكس على المتلقي في منطوقه اللغوي وأيضاً في بنيته الذهنية والأخلاقية.

إن المشاهد العربي بات ضحية للإعلام والدراما والسينما والميديا والعالم الرقمي في ضوء تراجع دور المؤسسات الإعلامية الحكومية وغياب استراتيجية تنتصر للهوية ولغة الأمة وقيمها وترك الساحة الإعلامية تصول وتجول فيها شركات الإنتاج الخاص ومنصاتها الرقمية وقنواتها الموجهة ناهيك عما تبثه الأقمار الصناعية الغربية.

وفي تقرير اتحاد الإذاعات العربية والبث الفضائي التابع لجامعة الدول العربية (2013) أن الهيئات العربية التي تبثّ أو تعيد بثّ قنوات فضائية بلغ عددها حوالى 776 هيئة منها (26) هيئة حكومية و(750) هيئة في القطاع الخاص، وتبثّ هذه الهيئات وتعيد بثّ (1320) قناة تلفازية من بينها (168) قناة رسمية و(1152) قناة خاصة متعددة اللغات ومتنوعة التخصص، أي يبلغ مجموع القنوات الموجّهة إلى المشاهد العربي -حتى نهاية العام 2013- (1320) قناة مقارنةً بـ (696) قناة في العام (2009)، وهذا يعني أمرين؛ أولهما نجاح هذا القطاع الإعلامي الخاص والموجه من الناحية الربحية، والثاني ازدياد أعداد المشاهدين له، ويضاف إلى هذا الكمّ ما يمكن أن يشاهده المتلقّي العربي من قنوات عالمية تجاوزت (5000) قناة منها (3212) قناة غير مشفّرة، ممّا يفيد اتساع دائرة اختيار المتلقّي العربي أو تنقّله في المشاهدة من قناة إلى أخرى، وهو ما يعكس الأهمية الاستراتيجية للمنطقة العربية في سياسة الإعلام المرئي من حيث العمل على تحقيق نتيجتين: الربحية المادية وبثّ النفوذ الإعلامي والتوجيه السياسي والاقتصادي، ولا سيما الترويج عبر الإعلان لمنتجات تلك البلدان في البلدان العربية.

أما لغة البثّ الفضائي المستعملة في هذه القنوات فتتصدرها اللغة العربية واللهجات المحلية بينما تحافظ اللغة الإنكليزية على موقعها في صدارة اللغات الأجنبية المستعملة تليها الفرنسية، إلى جانب ذلك يتم استعمال لغات إقليمية أخرى للتواصل مع مواطني الدول المجاورة للمنطقة العربية كاللغة: الفارسية والعبرية والهندية والإسبانية والتركية.

فما بالنا في العام 2025 وقد تضاعفت أعداد القنوات الفضائية والمنصات الرقمية وأضحى الإنسان العربي ضحية لغزو ثقافي ولغوي وتغريبي لا آخر له.

المخرج والحل: نحو وثيقة إعلامية موحدة

والسؤال المطروح: ما المخرج؟ والإجابة بإيجاز بأهمية وجود وثيقة إعلامية عربية موحدة ويتم تطبيقها قُطرياً، تشدد على المحتوى القيمي والأخلاقي وعلى أهمية أن يكون صنّاع الإعلام والدراما على وعي بهذا، ويتم تفصيح الحوار المنطوق في الأفلام والمسلسلات على قدر المستطاع مع التزام مقدمي البرامج الإعلامية بالفصحى، لأنها قضية صناعة هوية لغوية وخلُقية في مواجهة غزو العولمة والتغريب، على أن تُشدد العقوبات على كل من يخالف وتصبح أجهزة الدولة الإعلامية مراقبةً لما يتم بثه في الإعلام الخاص والموجه.

تواصل معنا

انضم إلى نشرتنا الاخبارية

حقوق الملكية ©AATWorld 2023. جميع الحقوق محفوظة. AATWorld

من نحن

هنا في مجموعة AAT ، يتعرف التجار ورجال الأعمال والمصنعون والمستوردون والمصدرون على بعضهم البعض ويتعاونون على الرغم من المسافات والبلدان واللغات المختلفة.

الاخبار

Newsletters

لا تخسر العروض والفرص التجارية

انضم إلى قائمتنا البريدية لتلقي آخر أخبار المنتجات وتحديثات الصناعة من التجارة العربية الآسيوية

2026@ AATWorld  | جميع الحقوق محفوظة.