اقتصاد العمل الحرّ وصناعة المحتوى… فرصة أم فخ؟

بقلم: د. علي شيخون

 

قبل 5 سنوات كان السؤال الذي يطرحه أي شاب طموح: أين تعمل؟ واليوم تغيّر السؤال إلى: في أي مجال تعمل لحسابك؟ لم تعد الوظيفة الثابتة بمكتبها وساعاتها ورئيسها المباشر الحلم الذي يسعى إليه الجميع، فقد ولد جيل جديد يرى في الكاميرا مكتباً، وفي شاشة الجوّال سوقاً مفتوحة، وفي العمل الحر باباً للحرية التي لا توفرها أي وظيفة تقليدية، شباب تركوا وظائفهم المستقرة ليصنعوا محتوى، ومستقلون يبيعون خبراتهم لعملاء قد لا يروهم وجهاً لوجه، وأرباح بالعملة الصعبة تتدفق من خلف شاشة صغيرة.

لكن خلف هذا البريق تختفي قصص أخرى أقل احتفاءً، مَن استثمر وقته وماله في مشروع محتوى قد انهار بين عشية وضحاها بعد تغيير خوارزمية، ومَن أنجز عملاً لعميل لم يسدد له أجره، ومَن وجد نفسه بعد سنوات من الحرية بلا تأمين صحي ولا معاش تقاعد ولا حتى عقد يحمي حقه.

فهل هذا الاقتصاد الجديد فرصة حقيقية أعاد تعريف العمل والرزق؟ أم أنه فخ جذاب يخفي تحت غلاف الحرية أخطاراً لم يستوعبها كثيرون بعد؟ بين هذين الطرفين تكمن الحقيقة وتكمن أيضاً حاجتنا إلى فهم أعمق لهذا الميدان بعيون الوعي والضبط.

 

أرقام تتحدث قبل أن نتحدث

 

تكفي نظرة سريعة إلى تقارير منصات العمل الحر العالمية لإدراك حجم ما يجري، ملايين المستقلين حول العالم يبيعون مهاراتهم في التصميم والبرمجة والترجمة والكتابة والاستشارات والمحاسبة عن بُعد، وقطاع عربي ينمو بمعدلات لافتة في هذه الخدمات بالذات؛ إذ يكفي أن يملك المرء حاسوباً وخبرة دقيقة في مجاله ليجد عميلاً في قارة أخرى دون وسيط ودون مكتب.

وإلى جانب ذلك، نمت موازاة له صناعة لا تقل اتساعاً، صناعة المحتوى؛ حيث تحوّلت حسابات على «يوتيوب» و«تيك توك» و«إنستجرام» إلى مصادر دخل رئيسة لا هامشية، لا صاحب عمل ولا راتب ثابتاً ولا ضمانات تقليدية، وما كان يُنظر إليه قبل سنوات كهواية جانبية أو عمل مؤقت بين وظيفتين صار اليوم اقتصاداً متكاملاً له سوقه وأدواته ولغته الخاصة حتى صار بعض الآباء يفاخرون بأن ابنهم «فريلانسر» (عمل حر) أو «يوتيوبر»، كما كانوا يفاخرون يوماً بأنه طبيب أو مهندس.

في هذا الوجه المشرق من المشهد، يجد كثيرون أنفسهم محررين من قيد كانوا يظنونه قدراً لا مفر منه؛ ساعات العمل الثابتة، والمكتب الذي لا يغادرونه إلا بإذن، والراتب الذي لا يتحرك رغم تضاعف الجهد.. هنا يستطيع المبرمج أو المترجم أو المستشار أن يعمل من غرفته في الفجر إن شاء، خادماً عملاء في قارات بعيدة دون أن يغادر بيته، وتستطيع الأم أن توازن بين رعاية أطفالها ومشروعها وفق جدول تصنعه بيدها لا يصنعه لها أحد، ويستطيع الشاب الذي لا يملك رأس مال كبيراً أن يدخل سوقاً عالمية بموهبته فقط، متجاوزاً حواجز كانت تقليدياً تحتاج إلى وساطة أو سنوات من التدرج الوظيفي.

لكن من جرّب هذا الطريق عن قرب يعرف أن البريق الأول لا يلبث أن يتبعه ظل ثقيل، فمن يعمل حراً قد ينجز مشروعاً كاملاً لعميل يختفي فجأة دون سداد قيمته، أو يجد نفسه في نزاع لا يُحسم حول حدود العمل المتفق عليه أصلاً، أو يخضع لمنافسة سعرية حادة من منافسين في بلدان أخرى يقبلون بأجر لا يكفي بالكاد لتكاليف الإنترنت، أو تنهار سمعته المهنية بتقييم سلبي واحد على المنصة دون أن يملك وسيلة حقيقية للرد أو التصحيح، والدخل الذي يتدفق بسخاء في شهر قد ينقطع تماماً في الشهر التالي دون مقدمات!

علماً أن هذه الأخطار لا تظهر في بداية الطريق، وإنما تتراكم بصمت فلا يشعر بها العامل الحر إلا بعد سنوات حين يحتاج فجأة إلى عملية جراحية لا تغطيها أي بوليصة، أو يبلغ سن التقاعد؛ ليجد أن لا شيء تراكم له سوى الذكريات، هكذا يجد كثيرون أنفسهم بعد سنوات من الحرية في موقف هش أقرب إلى من يبني بيتاً فوق الرمال لا فوق أساس متين.

 

بين الكسب الحلال وضبط العلاقة التعاقدية

 

وهنا يصبح الحديث عن الجانب الشرعي في العمل الحر ضرورة لا رفاهية، فالعمل الحر من حيث أصله نوع من الإجارة المشروعة، وهو من أبواب الرزق المتنوعة التي رغّب فيها الشرع، فالشريعة لم تشترط شكلاً معيناً للكسب، وإنما ضبطت جوهره، كثير من تعاملات هذه السوق تُعقد بكلمة عابرة على شاشة محادثة دون تحديد دقيق للأجر أو المدة أو طبيعة العمل أو آلية التسليم، وهو ما يُدخل العلاقة في دائرة الغرر الذي حذّر منه الشرع؛ لأنه يفتح الباب لضياع الحقوق وتعدد التفسيرات عند أول خلاف، وقد يتحول العمل المشروع في أصله إلى نزاع لا يُحسم لغياب مرجع موثق.

كما لا يمكن تجاهل أن بعض صور صناعة المحتوى تختلط فيها الشبهة بالكسب حين يتحول الترويج إلى تغرير، أو تُستخدم خوارزمية الانتشار وسيلة لإشباع رغبة الجمهور بمحتوى لا يخلو من المخالفات الشرعية؛ فيصبح النجاح الرقمي على حساب البركة في الرزق.

والمؤمن الحريص على رزقه الحلال مدعو إلى أن يجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب، فالتوثيق والادخار والتحوط ليست منافية للتوكل، وإنما هي من تمامه وكماله تماماً كما حُفظ دَيْن الصحابي بكتاب وشاهدين دون أن يُعد ذلك نقصاً في يقينه بربه.

 

كيف يحصّن العامل الحرّ نفسه؟

 

أمام هذا الواقع، يبرز سؤال عملي بحت: ماذا يفعل من اختار هذا الطريق ليحوّله من فخ إلى فرصة؟ الإجابة تبدأ من تنويع مصادر الدخل، بحيث لا يتحول مصير الإنسان كله رهينة عميل واحد أو منصة واحدة أو خوارزمية واحدة، وتمر بالادخار المنتظم وبناء ما يشبه صندوق الطوارئ الذي يسد الفجوة في الشهور الضعيفة، ولا تتجاهل أهمية البحث عن صيغ تأمين تكافلي بديلة عن صيغ التأمين التجاري التقليدي تحفظ له مستقبله دون أن تُدخله في محظور شرعي، وتنتهي بأمر يبدو بسيطاً لكنه جوهري هو الحرص على عقد واضح مكتوب محدد الشروط والأجر وآلية الدفع وموعد التسليم قبل الشروع في أي عمل مهما بدا العميل موثوقاً أو كانت العلاقة ودية.

وفي خلفية كل هذا لا يغيب واجب شرعي قد يُهمله كثير من العاملين الأحرار؛ وهو حساب الزكاة على دخلهم المتقلب بضبط صحيح، فالرزق المتقطع يحتاج إلى من يضبط حسابه الزكوي بدقة بدل أن يُترك للتقدير العشوائي في آخر العام.

 

غياب التنظيم.. مسؤولية من؟

 

ويبقى سؤال أكبر معلقاً في الفضاء العام: إلى متى يبقى هذا القطاع الضخم الذي يضم في بعض الدول العربية مئات الآلاف من العاملين بلا إطار تنظيمي واضح؟ فلا تصنيف قانونياً موحداً يحدد وضع العامل الحر بين الموظف والتاجر والمحترف المستقل، ولا صناديق تكافل جماعي تحميه من تقلبات السوق كما تحمي صناديق التقاعد الموظف التقليدي، ولا آلية فصل واضحة عند نزاعه مع عميل أو منصة قد تكون مقرّها في قارة أخرى لا تخضع لأي قانون محلي.

والسؤال معلق بين مسؤولية الجهات الحكومية التي يفترض أن تستوعب هذا التحول الاقتصادي بدل تجاهله أو محاولة فرض ضرائب عليه دون أن تمنحه أي حماية بالمقابل، ومسؤولية المنصات نفسها التي تربح من جهد هؤلاء العاملين دون أن تمنحهم ضمانات حقيقية.

ويبقى السؤال قائماً من سيتحرك أولاً؟ وهل يمكن أن نشهد يوماً صيغة تكافلية جماعية ينظمها العاملون الأحرار أنفسهم على غرار صناديق التكافل التي عرفها تاريخنا الاقتصادي قبل أن تُستورد فكرة التأمين بصيغتها الغربية؟

لا يبدو اقتصاد العمل الحر فرصة خالصة ولا فخاً مطلقاً، إنه ميدان جديد بقواعد لم تكتمل بعد، يحتاج من يدخله إلى وعي يوازن بين الحماس والحيطة، وإلى عقد واضح يحفظ الحق، وإلى ضبط شرعي يجعل الرزق المبارك هدفاً، ومن جمع بين هذه العناصر وجد في هذا الاقتصاد بالفعل باباً جديداً للرزق لا حفرة سقط فيها ظناً أنها طريق.

تواصل معنا

انضم إلى نشرتنا الاخبارية

حقوق الملكية ©AATWorld 2023. جميع الحقوق محفوظة. AATWorld

من نحن

هنا في مجموعة AAT ، يتعرف التجار ورجال الأعمال والمصنعون والمستوردون والمصدرون على بعضهم البعض ويتعاونون على الرغم من المسافات والبلدان واللغات المختلفة.

Newsletters

لا تخسر العروض والفرص التجارية

انضم إلى قائمتنا البريدية لتلقي آخر أخبار المنتجات وتحديثات الصناعة من التجارة العربية الآسيوية

2026@ AATWorld  | جميع الحقوق محفوظة.