بقلم: نور عبد الرحمن النمر
انتقل استعمال الذكاء الاصطناعي من ضيق الفصول الدراسية إلى سعة ميادين الحروب، وأصبح استعماله فيها أبين من الشمس، لكن اللافت للنظر ليس إدماج تقنية جديدة في الحرب سيّما وأن هذه عادة الولايات المتحدة من خمسينيات القرن الماضي. لكن المثير للاهتمام هي المرونة الأخلاقية التي لا يمكن أن يقال: إنها حديثة عهد بممارسات الولايات المتحدة في الصراعات التي تزج نفسها فيها، لكن الذكاء الاصطناعي وصل بها لمستوى غير مسبوق وفي وقت قصير. وجل ما تبقى من دور الجندي في هذا السياق اتخاذ القرار الذي يذعن فيه غالبًا للقرار المتخذ مسبقًا من قِبَل الذكاء الاصطناعي، فيما صار يُوصف لاحقًا بظاهرة «التفويض الإدراكي».
من وادي السيليكون إلى خطوط الاشتباك
أطلقت وزارة الدفاع الأمريكية عام 2017م مشروع «مافن»، كان الغرض منه استعمال التقنيات المتاحة آنذاك في تحليل الكميات الهائلة من الفيديوهات التي التقطتها الطائرات المسيرة، وذلك ليتم الاستعانة بهذه التحليلات الاستخبارات العسكرية الأمريكية. بيد أن الاحتجاجات داخل الشركة أدت إلى انسحاب «جوجل» منه في النهاية، خفف لهيب المشروع لكنه لم يطفئه بالكلية، إذ هو الآن أحمى من أي وقت مضى باشتراك 3 شركات فيه، وهي: بالانتير، وأندوريل، وخدمات أمازون ويب، وأولاهم في الحقيقة هي داهية الدواهي، ولها في هذا القطاع الباع الأكبر، ولرئيسها السمعة الأسوأ. «معنا صار الانتصار في الحروب مقدمًا على خوضها!»، هذا ما كتبته بالانتير في وصف مقطع فيديو يصور أحد الجنود كأنه مايسترو يُحرك بعصاه جيوشًا من المسيرات التي تتجه للفتك بأهدافها، لكن ما لا يظهر في مقطع الفيديو أن من بين هذه الأهداف إخواننا في فلسطين. فقد استعانت قوات الاحتلال الصهيونية في إبادتها لسكان قطاع غزة بتقنيات الذكاء الاصطناعي المقدمة من قبل الشركة التي صرحت بوضوح أنها تقف بجوار «إسرائيل». أما شركة ثيل، بالانتير، فهي تفارق سائر الشركات العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي من جهتين رئيستين:
الأولى: تجاوز نموذج رأسمالية المراقبة
وهو مصطلح صاغته الباحثة الأمريكية شوشانا زوبوف في كتابها «عصر رأسمالية المراقبة»، غوغل وميتا ليستا متاجر إلكترونية لبيع المنتجات، لكنها متخصصة في جمع كل ما يتعلق بسلوكك الرقمي، وتحوّلها إلى بيانات تبيعها للمعلنين؛ ما يساعدهم على استهدافك بصورة أدق. أما بالانتير فليس الأفراد محل اهتمامها، بل محل اهتمام الحكومات بالأساس، وهنا يأتي دور بالانتير في توفير البنية التحتية الرقمية المستعملة في مراقبتهم، وبدلًا من بيع ملف رقمي عنك فهي تبيع للحكومات الأدوات التي تخولها بناء هذا الملف بنفسها، وتشمل هذه الأدوات: كاميرات المراقبة، ونظام المراقبة، ونظام جمع وتخزين وتحليل البيانات، فالبيانات الخام تتضاعف قيمتها عشرات الأضعاف إذا ساعدت الحكومة أو المعلن في رسم صورة عنك. ولا شك أن السيطرة على البنية التحتية التي تتخذ عبرها الدول قراراتها السيادية، كقرار ترحيل المهاجرين في الولايات المتحدة الأمريكية الذي كانت بالانتير الذراع التكنولوجية المختصة به، حيث تحدد من هم في نظر الذكاء الاصطناعي مهاجرون غير شرعيين، ويشكلون تهديدًا على الأمن القومي، وينبغي ترحيلهم عن البلاد، وتحديد مواقعهم بدقة بناء على سجل كاميرات المراقبة.
الثانية: بناء جسور الود مع البنتاغون
أتاحت منصة الذكاء الاصطناعي (AIP) المقدمة من بالانتير لعملائها أن يربطوا نماذج ذكائهم الاصطناعية (LLMs) التي يستخدمونها بالفعل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي التي توفرها شركة بالانتير دون الحاجة إلى تواجد مهندسين مختصين من بالانتير لتدريب عملاء الشركة، وهذا راجع إلى ورش التدريب التي تقدمها الشركة في مدة تتراوح بين يوم و5 أيام حسب نوعية التدريب، وبعد إنهائها مباشرة يصير الشخص قادرًا على استعمال تقنيات بالانتير ودمجها مع ما يستعمله بالفعل بكل سهولة. هذه السرعة في ربط الأنظمة، أقصت معظم المنافسين الذين بالإضافة لاستغراقهم أسابيع وشهوراً في نفس عملية الربط، كان تواجد مهندسيهم أمرًا ضروريًا، وترتب على السرعة في الربط، سرعة في التعاقدات مع وزارة الدفاع ومشاريعها المختلفة.
العرض الذي لا يُرفض
عرضت وزارة الدفاع الأمريكية عقدًا بقيمة 200 مليون تلتزم بموجبه شركة أنثروبيك صاحبة نموذج الذكاء الاصطناعي كلود برفع قيود الاستخدام عن نموذجها؛ ما يخول لوزارة الدفاع استخدامه قانونيًا، لتحليل بيانات ضخمة مُشتراة من وسطاء تجاريين تشمل بيانات المواقع الجغرافية لمواطنين أمريكيين، وسجلات تصفّحهم للإنترنت، ومعاملاتهم المالية، بهدف بناء ملفات سلوكية تنبؤية. علق رئيس أنثروبيك داريو أموداي قبوله هذا العرض على شرطين، وهما: حظر المراقبة الجماعية للمواطنين المقيمين داخل الولايات المتحدة، وعدم استخدام النموذج في الأسلحة الأوتوماتيكية التي تتخذ قرار القتل دون الرجوع لبشر يقبل أو يرفض القرار. وبالطبع أنى لوزارة الدفاع أن تُذعن لمطلب رئيس شركة ما، بل ما كان منها إلا أن أدبته بتصنيف شركته بوصفها مخاطرة سلسلة التوريد؛ وهو مصطلح يُستخدم عادة للشركات الأجنبية المشبوهة أو المرتبطة بخصوم إستراتيجيين كالصين مثلًا، لا لشركة أمريكية ولدت من رحم وادي السيليكون. وبالطبع فما ترفضه شركة، تقبله أخرى بكل سرور، فقد انبرت لقبول العرض أوبن إيه آي صاحبة نموذج الذكاء الاصطناعي تشات جي بي تي، إذ أبرم رئيسها سام ألتمان العقد خلال يومين فحسب! لقد ولى زمن كانت الحروب مقتصرة على الرجال، محرمة المساس بالذراري والنساء، أما الآن فيكتوي بنيرانها الحاضر والباد، تعصف بهم ريحها فتذرهم ومساكنهم هباء، ثم تبقى الأطلال شواهد على ما جلبت الحروب من مآس وويلات، وفر من تبعاتها من قادوها من أصحاب السياسات، فهذا تشيرشل يُخلد كبطل قومي وهو مرتكب جرائم الحرب! وذلكما بوش، وبلير، يلعبان الجولف وكأنهما لم يَمْحُوَا مليون إنسان عن ظهر البسيطة، بل وترى وزيرة الداخلية البريطانية جاكي سميث قتل مليون إنسان ثمنًا زهيدًا في حربهم المزعومة على الإرهاب، ثم هذا أوباما يتوج بجائزة «نوبل» للسلام وهو أكثر رئيس أمريكي أنفق على الحروب في تاريخ أمريكا المضرج بالدماء بواقع نصف مليون دولار أمريكي يوميًا، حُرم منها مريضهم ومُشَّردهم، واحترق بلظاها من لم يُشكل يومًا خطرًا على أي منهما! وهذا ترمب يحدق في حذائه كأنه مرآة يجتلي بها حسن طلعته، سادرًا بين هراء القول وعبث الفعل، معنفًا على ما لا يفهمه، ومتعرضًا لما لا يحسنه، ومن كانت هذه حاله لم يكن حقه إلا أن يستر خيبته عن أعين الناس، ولو كانت مثل هذه التقنيات في أيدي غيرهم لهان الخطب شيئًا ما، أما والحال كذلك فمن أحدَّت لهم الولايات المتحدة وحلفائها الأسِّنَة إما العفاء حتى ينشئهم الله خلقًا جديدًا، أو التسلح بمثل ما تسلحوا به.
نحو خطاب مسؤول
إن ثمة فارقًا جوهريًا بين التشكيك في الذكاء الاصطناعي عمومًا والتشكيك في أشكال استخدامه، فالتقنية في ذاتها أداةٌ محايدة، لكن ما تكشفه هذه التطورات هو أن التسابق نحو التطبيق العسكري يسبق بمراحل بناء المنظومة الأخلاقية والقانونية والرقابية اللازمة لضبطه. إن المفكر الأمريكي لوسيانو فلوريدي يُؤكد في كتابه: The Ethics of Artificial Intelligence أن الحوكمة الفعّالة للذكاء الاصطناعي تستلزم ما يُسمّيه المسؤولية الموزَّعة؛ أي أن تتحمل كل حلقة في سلسلة الإنتاج والتوزيع والاستخدام مسؤوليتها الأخلاقية كاملةً، ولعل ما أبدته أنثروبيك من صمودٍ أمام ضغط العقد الحكومي يُمثّل نموذجًا وإن كان استثنائيًا لهذا النوع من المسؤولية. إن الذكاء الاصطناعي لن يتوقف عند بوابات وزارات الدفاع، ولن تُوقفه الاعتراضات الأخلاقية المنفردة، لكن ما يمكن للمجتمعات والحكومات والمؤسسات أن تفعله هو رسم الحدود قبل أن تُفرضها عليها الوقائع، وبناء آليات الرقابة قبل أن يستفحل الضرر، وإلا فإن السؤال الذي طرحه بول شار سيتحول من تحذير فكري إلى عنوان لمرحلة تاريخية: هل نحن من يُسيطر على هذه الأداة، أم هي من تُعيد تشكيل قيمنا وحدودنا الإنسانية؟!
انتقل استعمال الذكاء الاصطناعي من ضيق الفصول الدراسية إلى سعة ميادين الحروب، وأصبح استعماله فيها أبين من الشمس، لكن اللافت للنظر ليس إدماج تقنية جديدة في الحرب سيّما وأن هذه عادة الولايات المتحدة من خمسينيات القرن الماضي. لكن المثير للاهتمام هي المرونة الأخلاقية التي لا يمكن أن يقال: إنها حديثة عهد بممارسات الولايات المتحدة في الصراعات التي تزج نفسها فيها، لكن الذكاء الاصطناعي وصل بها لمستوى غير مسبوق وفي وقت قصير. وجل ما تبقى من دور الجندي في هذا السياق اتخاذ القرار الذي يذعن فيه غالبًا للقرار المتخذ مسبقًا من قِبَل الذكاء الاصطناعي، فيما صار يُوصف لاحقًا بظاهرة «التفويض الإدراكي».
من وادي السيليكون إلى خطوط الاشتباك
أطلقت وزارة الدفاع الأمريكية عام 2017م مشروع «مافن»، كان الغرض منه استعمال التقنيات المتاحة آنذاك في تحليل الكميات الهائلة من الفيديوهات التي التقطتها الطائرات المسيرة، وذلك ليتم الاستعانة بهذه التحليلات الاستخبارات العسكرية الأمريكية. بيد أن الاحتجاجات داخل الشركة أدت إلى انسحاب «جوجل» منه في النهاية، خفف لهيب المشروع لكنه لم يطفئه بالكلية، إذ هو الآن أحمى من أي وقت مضى باشتراك 3 شركات فيه، وهي: بالانتير، وأندوريل، وخدمات أمازون ويب، وأولاهم في الحقيقة هي داهية الدواهي، ولها في هذا القطاع الباع الأكبر، ولرئيسها السمعة الأسوأ. «معنا صار الانتصار في الحروب مقدمًا على خوضها!»، هذا ما كتبته بالانتير في وصف مقطع فيديو يصور أحد الجنود كأنه مايسترو يُحرك بعصاه جيوشًا من المسيرات التي تتجه للفتك بأهدافها، لكن ما لا يظهر في مقطع الفيديو أن من بين هذه الأهداف إخواننا في فلسطين. فقد استعانت قوات الاحتلال الصهيونية في إبادتها لسكان قطاع غزة بتقنيات الذكاء الاصطناعي المقدمة من قبل الشركة التي صرحت بوضوح أنها تقف بجوار «إسرائيل». أما شركة ثيل، بالانتير، فهي تفارق سائر الشركات العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي من جهتين رئيستين:
الأولى: تجاوز نموذج رأسمالية المراقبة
وهو مصطلح صاغته الباحثة الأمريكية شوشانا زوبوف في كتابها «عصر رأسمالية المراقبة»، غوغل وميتا ليستا متاجر إلكترونية لبيع المنتجات، لكنها متخصصة في جمع كل ما يتعلق بسلوكك الرقمي، وتحوّلها إلى بيانات تبيعها للمعلنين؛ ما يساعدهم على استهدافك بصورة أدق. أما بالانتير فليس الأفراد محل اهتمامها، بل محل اهتمام الحكومات بالأساس، وهنا يأتي دور بالانتير في توفير البنية التحتية الرقمية المستعملة في مراقبتهم، وبدلًا من بيع ملف رقمي عنك فهي تبيع للحكومات الأدوات التي تخولها بناء هذا الملف بنفسها، وتشمل هذه الأدوات: كاميرات المراقبة، ونظام المراقبة، ونظام جمع وتخزين وتحليل البيانات، فالبيانات الخام تتضاعف قيمتها عشرات الأضعاف إذا ساعدت الحكومة أو المعلن في رسم صورة عنك. ولا شك أن السيطرة على البنية التحتية التي تتخذ عبرها الدول قراراتها السيادية، كقرار ترحيل المهاجرين في الولايات المتحدة الأمريكية الذي كانت بالانتير الذراع التكنولوجية المختصة به، حيث تحدد من هم في نظر الذكاء الاصطناعي مهاجرون غير شرعيين، ويشكلون تهديدًا على الأمن القومي، وينبغي ترحيلهم عن البلاد، وتحديد مواقعهم بدقة بناء على سجل كاميرات المراقبة.
الثانية: بناء جسور الود مع البنتاغون
أتاحت منصة الذكاء الاصطناعي (AIP) المقدمة من بالانتير لعملائها أن يربطوا نماذج ذكائهم الاصطناعية (LLMs) التي يستخدمونها بالفعل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي التي توفرها شركة بالانتير دون الحاجة إلى تواجد مهندسين مختصين من بالانتير لتدريب عملاء الشركة، وهذا راجع إلى ورش التدريب التي تقدمها الشركة في مدة تتراوح بين يوم و5 أيام حسب نوعية التدريب، وبعد إنهائها مباشرة يصير الشخص قادرًا على استعمال تقنيات بالانتير ودمجها مع ما يستعمله بالفعل بكل سهولة. هذه السرعة في ربط الأنظمة، أقصت معظم المنافسين الذين بالإضافة لاستغراقهم أسابيع وشهوراً في نفس عملية الربط، كان تواجد مهندسيهم أمرًا ضروريًا، وترتب على السرعة في الربط، سرعة في التعاقدات مع وزارة الدفاع ومشاريعها المختلفة.
العرض الذي لا يُرفض
عرضت وزارة الدفاع الأمريكية عقدًا بقيمة 200 مليون تلتزم بموجبه شركة أنثروبيك صاحبة نموذج الذكاء الاصطناعي كلود برفع قيود الاستخدام عن نموذجها؛ ما يخول لوزارة الدفاع استخدامه قانونيًا، لتحليل بيانات ضخمة مُشتراة من وسطاء تجاريين تشمل بيانات المواقع الجغرافية لمواطنين أمريكيين، وسجلات تصفّحهم للإنترنت، ومعاملاتهم المالية، بهدف بناء ملفات سلوكية تنبؤية. علق رئيس أنثروبيك داريو أموداي قبوله هذا العرض على شرطين، وهما: حظر المراقبة الجماعية للمواطنين المقيمين داخل الولايات المتحدة، وعدم استخدام النموذج في الأسلحة الأوتوماتيكية التي تتخذ قرار القتل دون الرجوع لبشر يقبل أو يرفض القرار. وبالطبع أنى لوزارة الدفاع أن تُذعن لمطلب رئيس شركة ما، بل ما كان منها إلا أن أدبته بتصنيف شركته بوصفها مخاطرة سلسلة التوريد؛ وهو مصطلح يُستخدم عادة للشركات الأجنبية المشبوهة أو المرتبطة بخصوم إستراتيجيين كالصين مثلًا، لا لشركة أمريكية ولدت من رحم وادي السيليكون. وبالطبع فما ترفضه شركة، تقبله أخرى بكل سرور، فقد انبرت لقبول العرض أوبن إيه آي صاحبة نموذج الذكاء الاصطناعي تشات جي بي تي، إذ أبرم رئيسها سام ألتمان العقد خلال يومين فحسب! لقد ولى زمن كانت الحروب مقتصرة على الرجال، محرمة المساس بالذراري والنساء، أما الآن فيكتوي بنيرانها الحاضر والباد، تعصف بهم ريحها فتذرهم ومساكنهم هباء، ثم تبقى الأطلال شواهد على ما جلبت الحروب من مآس وويلات، وفر من تبعاتها من قادوها من أصحاب السياسات، فهذا تشيرشل يُخلد كبطل قومي وهو مرتكب جرائم الحرب! وذلكما بوش، وبلير، يلعبان الجولف وكأنهما لم يَمْحُوَا مليون إنسان عن ظهر البسيطة، بل وترى وزيرة الداخلية البريطانية جاكي سميث قتل مليون إنسان ثمنًا زهيدًا في حربهم المزعومة على الإرهاب، ثم هذا أوباما يتوج بجائزة «نوبل» للسلام وهو أكثر رئيس أمريكي أنفق على الحروب في تاريخ أمريكا المضرج بالدماء بواقع نصف مليون دولار أمريكي يوميًا، حُرم منها مريضهم ومُشَّردهم، واحترق بلظاها من لم يُشكل يومًا خطرًا على أي منهما! وهذا ترمب يحدق في حذائه كأنه مرآة يجتلي بها حسن طلعته، سادرًا بين هراء القول وعبث الفعل، معنفًا على ما لا يفهمه، ومتعرضًا لما لا يحسنه، ومن كانت هذه حاله لم يكن حقه إلا أن يستر خيبته عن أعين الناس، ولو كانت مثل هذه التقنيات في أيدي غيرهم لهان الخطب شيئًا ما، أما والحال كذلك فمن أحدَّت لهم الولايات المتحدة وحلفائها الأسِّنَة إما العفاء حتى ينشئهم الله خلقًا جديدًا، أو التسلح بمثل ما تسلحوا به.
نحو خطاب مسؤول
إن ثمة فارقًا جوهريًا بين التشكيك في الذكاء الاصطناعي عمومًا والتشكيك في أشكال استخدامه، فالتقنية في ذاتها أداةٌ محايدة، لكن ما تكشفه هذه التطورات هو أن التسابق نحو التطبيق العسكري يسبق بمراحل بناء المنظومة الأخلاقية والقانونية والرقابية اللازمة لضبطه. إن المفكر الأمريكي لوسيانو فلوريدي يُؤكد في كتابه: The Ethics of Artificial Intelligence أن الحوكمة الفعّالة للذكاء الاصطناعي تستلزم ما يُسمّيه المسؤولية الموزَّعة؛ أي أن تتحمل كل حلقة في سلسلة الإنتاج والتوزيع والاستخدام مسؤوليتها الأخلاقية كاملةً، ولعل ما أبدته أنثروبيك من صمودٍ أمام ضغط العقد الحكومي يُمثّل نموذجًا وإن كان استثنائيًا لهذا النوع من المسؤولية. إن الذكاء الاصطناعي لن يتوقف عند بوابات وزارات الدفاع، ولن تُوقفه الاعتراضات الأخلاقية المنفردة، لكن ما يمكن للمجتمعات والحكومات والمؤسسات أن تفعله هو رسم الحدود قبل أن تُفرضها عليها الوقائع، وبناء آليات الرقابة قبل أن يستفحل الضرر، وإلا فإن السؤال الذي طرحه بول شار سيتحول من تحذير فكري إلى عنوان لمرحلة تاريخية: هل نحن من يُسيطر على هذه الأداة، أم هي من تُعيد تشكيل قيمنا وحدودنا الإنسانية؟!

