حكومة باكستان تستبدل بالأسماء الاسلامية أسماءً هندوسية واستعمارية

بقلم: جمال خطاب

 

في الوقت الذي يواجه فيه المسلمون في الهند -وبخاصة في البنجاب الغربية وولايات الجوار- حملات ممنهجة من الاضطهاد والإقصاء، ومحاربة شرسة لهويتهم الدينية والثقافية تشمل هدم المساجد وتغيير أسماء المدن والمعالم الإسلامية لطمس تاريخهم… تواجه العاصمة الثقافية لباكستان لاهور موجة عارمة من الاستياء الشعبي والانتقادات السياسية الحادة.

فقد بدأت السلطات هناك بتنفيذ خطة حكومية مثيرة للجدل تقضي بإزالة الأسماء الإسلامية والوطنية عن أبرز شوارعها وأحيائها، ووضع أسماء هندوسية، وجاينية، وأخرى تعود إلى حقبة الاستعمار البريطاني.

ويرى قطاع واسع من النخبة الفكرية والمعارضة في باكستان أنَّ هذه الخطوة، التي تأتي تحت لافتة «إحياء التراث»، ما هي إلا انسلاخ غير مبرر وطمس متعمّد للهوية الإسلامية والوطنية التي تأسست عليها البلاد؛ حيث تبدو الحكومة كمن يقدم تنازلات مجانية ويضحّي برموز النضال الوطني والاستقلال استرضاءً للقوى الخارجية، في وقت كان الأولى بها تعزيز الهوية الجامعة وتثبيت معالمها تضامناً مع قضايا المسلمين المضطهدين في شبه القارة الهندية.

 

 طمس الرموز الوطنية والإسلامية

ضمن ما يسمى «مشروع إحياء منطقة التراث في لاهور»، بدأت السلطات الباكستانية برفع اللوحات الإرشادية التي تحمل أسماء قادة الفكر والسياسة ومظاهر الهوية الإسلامية، لتعيد للمشهد البصري أسماء ترتبط بعهود ورموز تثير الحساسية التاريخية:

دارامبورا بدلاً من مصطفى أباد

تأتي في مقدمة التغييرات المثيرة للجدل إزالة اسم حي «مصطفى آباد» ووضع مكانه الاسم القديم «دارامبورا»؛ ويرى المعارضون في هذه الخطوة مساساً مباشراً بالوجدان الديني العام، حيث جرى إلغاء تسمية شريفة ترتبط بلقب الرسول صلى الله عليه وسلم لصالح دلالة تاريخية أخرى؛ ما يعكس غياب الحساسية الثقافية لدى صناع القرار.

وفي سياق طمس الهوية الدينية للمناطق، تم تحويل اسم حي «إسلامبورا» العريق ليصبح «كريشانجار»؛ وتواجه هذه الخطوة انتقادات حادة لكونها تمثل تحويلاً علنياً لاسم يعبر عن الهوية الإسلامية والصبغة العامة للمنطقة وتغييره باسم ذي دلالة هندوسية، وهو ما يُعتبر في نظر المعارضين تغييراً قسرياً للمشهد الثقافي لمدينة لاهور.

ولم تسلم الرموز التضامنية للأمة من هذا المخطط، إذ جرى تغيير اسم ساحة «بابري مسجد تشوك» إلى «جاين ماندير تشوك»؛ واعتبر النقاد هذا القرار بمثابة تخلٍّ رسمي غريب من حكومة الإقليم عن الرمزية التضامنية والتاريخية المقترنة بقضية مسجد «بابري» الشهير، التي لطالما شكلت جزءاً من الذاكرة السياسية والدينية المشتركة في جنوب آسيا.

وعلى الصعيد الوطني، طال الإقصاء قادة كفاح الاستقلال، حيث تم تغيير اسم ساحة «مولانا ظفر علي خان تشوك» ليصبح «لاكشمي تشوك»؛ وهو أيضاً رمز هندوسي؛ وأثار هذا التغيير استياءً واسعاً لكونه أطاح باسم علم بارز من عمالقة الصحافة الإسلامية، وأحد أهم الرموز التاريخية الذين قادوا الحراك الشعبي والفكري لتأسيس دولة باكستان المستقلة.

وامتدت يد التعديلات لتطال الفكرة التأسيسية للدولة نفسها عبر إقصاء اسم فيلسوفها الفذ؛ حيث تم تحويل «شارع العلامة إقبال» إلى «جايل رود»؛ ويعني طريق السجن، وهو إجراء اعتبره المفكرون والسياسيون المعارضون استخفافاً غير مقبول بالقيمة الرمزية العالية لشاعر الأمة وفيلسوفها الإستراتيجي الذي صاغ الرؤية الأولى لوجود باكستان.

وفي خطوة اعتُبرت ارتداداً نحو تمجيد الحقبة الاستعمارية، تم تغيير اسم «باغ جناح» (حديقة جناح) نسبة لمؤسس باكستان محمد علي جناح إلى «لورانس جاردنز»؛ وتواجه هذه الخطوة استهجاناً كبيراً لكونها تمثل عودة صريحة للاحتفاء بالرموز والشخصيات البريطانية التي احتلت البلاد، وذلك على حساب اسم مؤسس الدولة وقائدها الأول.

وكان هذا الاسم قد أُطلق على تلك الحديقة العامة في لاهور عام 1862، تكريماً لسير جون لورانس، الذي كان الحاكم العام البريطاني الأول لإقليم البنجاب بعد ضمه للتاج البريطاني، ثم ترقى لاحقاً ليصبح الحاكم العام ونائب الملك في الهند بين عامي 1864 و1869م، كانت هذه الحدائق تُمثل رمزاً للرفاهية والسلطة الإمبراطورية البريطانية في قلب العاصمة الثقافية للبنجاب.

ولم يتوقف الأمر عند مؤسس الدولة، بل امتد ليشمل رموز العائلة التأسيسية، حيث جرى تغيير اسم «شارع فاطمة جناح» ليحمل اسم «كوينز رود»؛ ويعبر المنتقدون عن صدمتهم من هذا الإجراء الذي فضّل تخليد اسم الملكة البريطانية الاستعمارية على حساب اسم «مادر ملت» (أم الأمة) السيدة فاطمة جناح، التي تُمثل رمزاً وطنياً وتاريخياً ملهماً للمرأة الباكستانية.

تشمل التغييرات أيضاً تحويل «شارع رحمن» إلى «شارع رام»، و«شاهراه عبدالحميد بن بديس» إلى «إمبراس رود»، وهو ما اعتبره منتقدون ردة ثقافية غير مبررة وهجوماً على الذاكرة الجمعية للمواطن الباكستاني.

 

50 مليار روبية… تبديد للأموال في ظل أزمة اقتصادية خانقة

 

يطرح المعارضون أيضاً تساؤلات حادّة حول أولويات حكومة إقليم البنجاب ورئيس الوزراء الأسبق نواز شريف، وابنته مريم نواز، اللذين يقفان وراء هذا المشروع الطموح الممتد منذ عام 2025م بتكلفة تُقدر بنحو 50 مليار روبية باكستانية.

في وقت تعاني فيه البلاد من تضخم مستمر، وتعتمد بشكل شبه كلي على قروض صندوق النقد الدولي لتسيير أعمالها، يُنظر إلى إنفاق هذه المبالغ الطائلة على تغيير لافتات الشوارع وإعادة إحياء ملاعب الكريكيت التاريخية وساحات المصارعة (الأخارا) في حديقة إقبال الكبرى على أنه «بذخ سياسي» وفصل تام عن واقع المواطن الذي يواجه صعوبات معيشية يومية.

إن إعادة إحياء ملاعب الكريكيت التي تدرب فيها أساطير مثل: لالا أمارناث، واستعادة ذكريات احتفالات «دوسيرا» الهندوسية قبل عام 1947م، لا ينبغي أن تكون على حساب كرامة المواطن الباكستاني الحالية وأولوياته الاقتصادية. (من بيان لتيار المعارضة الثقافية في البنجاب).

 

 محاولات تجميل سياسية على حساب الثوابت

يعتقد المحللون السياسيون أن هذه الحملة المفاجئة تهدف في المقام الأول إلى تقديم تنازلات ثقافية مجانية لجهات دولية، ويرى النقاد أن الغرض الحقيقي ليس السياحة أو الحفاظ على الطراز الأوروبي في حماية التراث كما تزعم الحكومة، بل محاولة مستميتة من النخبة الحاكمة لطمأنة المستثمرين الأجانب، ومحاولة تحسين سجل البلاد أمام فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية، وإظهار باكستان في ثوب العلمانية الليبرالية لاستجداء الدعم الدبلوماسي والاقتصادي.

إن تجميل صورة البلاد عالمياً لا يكون بالتبرّؤ من الهوية التاريخية والإسلامية للمدن التي صبغت لاهور لقرون، بل بتحسين الحوكمة، واجتثاث الفساد، وتطبيق القانون، مع الحفاظ على حقوق الأقليات الحالية دون الحاجة إلى افتعال حنين زائف لعهود الاستعمار والتقسيم.

تواصل معنا

انضم إلى نشرتنا الاخبارية

حقوق الملكية ©AATWorld 2023. جميع الحقوق محفوظة. AATWorld

من نحن

هنا في مجموعة AAT ، يتعرف التجار ورجال الأعمال والمصنعون والمستوردون والمصدرون على بعضهم البعض ويتعاونون على الرغم من المسافات والبلدان واللغات المختلفة.

Newsletters

لا تخسر العروض والفرص التجارية

انضم إلى قائمتنا البريدية لتلقي آخر أخبار المنتجات وتحديثات الصناعة من التجارة العربية الآسيوية

2026@ AATWorld  | جميع الحقوق محفوظة.