كثيرًا ما تصادفنا أبحاث أو مقالات أو حتى تغريدات قصيرة عن الأثر الاجتماعي للذكاء الاصطناعي، ورغم أن الأمر ليس جديداً، فإننا بحاجة ماسة إلى تفنيد هذه الرؤية؛ والأسباب التي أفضت إلى النتائج الكارثية والخلل الواضح في العلاقات الأسرية والاجتماعية.
الذكاء الاصطناعي صديق وهمي
رغم أن مخترع الذكاء ذاته ينظر إليه على أنه آلة تقنية صماء مسخّرة لخدمتنا، فإننا نتعامل معها كصديق وفيّ، نقص عليه ما يدور في يومنا، ونشاركه في أتفه الأمور وجلها، ونقضي معه ساعات طويلة من النقاش دون ملل!
وفي الجهة الأخرى تكمن الكارثة؛ أهلٌ مهمشون، وأصدقاء مستبعَدون، وزوجة وأولاد لا نحمل طاقة لمشاركتهم الأفكار والآراء؛ الأمر الذي أفضى بنا إلى أغلال «شات جي بي تي» و«جيميناي» وغيرها من الأدوات التي لا تعرف سوى التصفيق لأقوالنا والمجاملة لأفعالنا.
حديث أجوف ومشاعر مصطنعة
علاقتنا بأدوات الذكاء الاصطناعي تخطت حاجز الصداقة الوهمية إلى المستشار الاجتماعي، فاليوم لا نرهق أنفسنا باستجلاء مشاعرنا لنكتب رسالة صادقة تعبر عن محبتنا للطرف الآخر (أب، أم، صديق، زوج..)، بل نأخذ الطريق الأقصر والمهلك في الوقت ذاته، فقط نكتب هذه الكلمة لإحدى وسائل الذكاء الاصطناعي: «أريد رسالة أعبر بها عن حبي لأمي»، ثم نأخذها ونضع «لصق» ثم «إرسال»، فلا قيمة لحديث أجوف، ولا منفعة من مشاعر مصطنعة.
ناصح غير أمين
ينظر البعض إلى الذكاء الاصطناعي على أنه المنقذ السريع والناصح الأمين، لكن الحقيقة عارية من هذا التوقع، فحينما نقع في مشكلة اجتماعية تكاد تنهي علاقات متجذرة لأعوام وربما لعقود؛ نهرول ناحية المنقذ الاصطناعي -هكذا أراه في عين مناصريه- لنخبره أن يبحث لنا عن حل سحري بين وصفاته غير المتناهية، وسرعان ما يعطينا الحل، لكن.. أليس لكل داء دواء؟ فما يصلح لجسد ربما يضر غيره!
الطرف الآخر الذي تصادمت معه أنت خير خبير به؛ تعلم شخصيته، وكيفية تفكيره، ونوع مشاعره، وما يمكن أن يتقبله، وما يستحيل أن يرحب به؛ لذا وإن كنت أنت الداء (سبب المشكلة) فأنت الطبيب في الوقت ذاته، أليس من العجب أن تلجأ لآلة صماء بلا قلب ولا مشاعر لتعطيك حلاً سحرياً تداوي به قلب من تحب، وتستعيد مشاعره؟!
هنا تكمن الخلاصة؛ الذكاء الاصطناعي آلة مسخّرة لخدمتنا في النواحي المادية العملية، لكنها محظورة اجتماعياً تحت أي ظرف، وبلا أي تبرير.


