الرياضة والاستبداد… كيف تستغلّ الملاعب في غسل سمعة الطغاة؟!

بقلم: جمال خطاب

يقول نيلسون مانديلا: «الرياضة قوة خارقة، تملك القدرة على تغيير العالم، وإلهام الشعوب، وتوحيد البشر بطريقة لا تضاهيها أي قوة أخرى»، هذه القوة الخارقة التي تحدث عنها مانديلا، التي تملك سحر السيطرة على العقول وتوجيه العواطف، سلاح ذو حدين، فبينما يرى فيها الملايين وسيلة للتحرر والمتعة، يجد فيها المستبدون فرصة ذهبية للنفاذ إلى الوعي العالمي وتبييض سجلاتهم الحقوقية الملطخة بدماء الأبرياء. والعالم يعرف ما يسمى بإستراتيجية «الغسيل الرياضي» حيث تُوظف الملاعب، والنجوم، والمليارات لتشتيت الانتباه عن غرف التعذيب، وسرقة المليارات، وتكميم الأفواه، وانتهاكات حقوق الإنسان، وتحويل الأنظار نحو منصات التتويج.

حجم الإنفاق العالمي على الرياضة
لا شك أن الرياضة ليست مجرد نشاط ترفيهي، ولكنها صناعة جيوسياسية واقتصادية ضخمة تُقدر قيمتها بسوق عالمية تتجاوز 500 مليار دولار، وفي إطار السعي وراء نفوذ القوة الناعمة، تضخ الأنظمة السلطوية استثمارات فلكية تتخطى الحسابات التجارية التقليدية؛ فالأمر هنا لا يتعلق بالربح المالي، بل بشراء السمعة الدولية والمشروعية السياسية. تُشير الدراسات الاقتصادية إلى أن الإنفاق على الاستحواذ على الأندية الأوروبية العريقة، ورعاية قمصان الفرق الكبرى، وجلب نجوم الصف الأول بصفقات خيالية، قد تضاعف بشكل مرعب في العقدين الأخيرين؛ فبعد أن كان الرقم القياسي لأغلى صفقة انتقال في تاريخ كرة القدم لا يتعدى 56 مليون دولار (انتقال زين الدين زيدان عام 2001م)، قفز هذا الرقم بنسبة تقارب 300% ليصل إلى 263 مليون دولار (222 مليون يورو) في صفقة انتقال نيمار عام 2017م الممولة من صناديق سيادية، تلتها عقود سنوية لنجوم الصف الأول تجاوزت حاجز 200 مليون دولار للموسم الواحد. هذا التضخم طال أيضاً حقوق رعاية قمصان الأندية الكبرى؛ حيث تشير تقارير «ديلويت» المالية إلى أن عوائد الرعاية التجارية لأكبر 20 نادياً في العالم قفزت من نحو 800 مليون دولار إجمالاً في أوائل الألفية، لتتجاوز 3.5 مليارات دولار سنوياً، وتتحول أسماء الشركات الحكومية وطيران الطغاة التابعة للأنظمة السلطوية إلى علامات تجارية مألوفة تُزين صدور اللاعبين وتضخ أكثر من 300 مليون دولار سنوياً في خزائن أندية النخبة الأوروبية (مثل ريال مدريد، مانشستر سيتي، باريس سان جيرمان، وأرسنال)؛ ما يساهم في إدماج هذه الأنظمة بشكل عميق في المنظومة الاقتصادية والسياسية الغربية عبر بوابة الاستثمار الرياضي.

صناعة «الغسيل الرياضي»
تعتمد الأنظمة المستبدة على 5 أساليب في الغسيل الرياضي: استضافة البطولات الكبرى، الاستحواذ على الأندية العالمية، رعاية القمصان، جلب نجوم الصف الأول، وتنظيم السوبر الأوروبي، وتهدف هذه الآليات إلى بناء قوة ناعمة، والتغطية على انتهاكات حقوق الإنسان، وتوجيه طاقات الشباب محلياً بعيداً عن المعارضة السياسية.

الملاعب في خدمة الطغاة
تاريخياً، ارتبطت الأنظمة الفاشية والشمولية بالرياضة منذ العقود الأولى للقرن العشرين، حيث أدركت مبكراً قدرة الملاعب على التلاعب بالوعي الجمعي.

إيطاليا الفاشية (1934) وألمانيا النازية (1936)
كان الزعيم الفاشي بينيتو موسوليني أول من استغل كرة القدم بشكل ممنهج، حيث أشرف بنفسه على تنظيم كأس العالم عام 1934م في إيطاليا، ومارس ضغوطاً هائلة على الحكام لضمان فوز بلاده واستخدام البطولة كأداة دعائية تظهر نظامه قويّاً وحديثاً. ولم يختلف الأمر عن أدولف هتلر الذي استغل أولمبياد برلين 1936م، فقد استغل الزعيم النازي الأولمبياد لتخفيف حدة الانتقادات الدولية، وتقديم ألمانيا كدولة مسالمة، بينما كانت معسكرات الاعتقال تُشيد في الخفاء.

دكتاتوريات البرازيل والأرجنتين وروسيا
في أمريكا اللاتينية، تحولت كرة القدم إلى غطاء سياسي وحشي، مع بداية حكم إميليو ميديشي في البرازيل عام 1969م، الذي استغل سحر اللعبة الجميلة لإلهاء الشعب؛ وتدخل الرئيس مباشرة في شؤون المنتخب بل وطرد المدرب جواو سالدانيا لرفضه الانصياع لأوامره، وعندما توجت البرازيل بكأس العالم، أعلن الفوز عطلة وطنية واعتبره أعلى صور الوطنية. وفي الأرجنتين عام 1978م، استغل المجلس العسكري المنقلب بقيادة خورخي فيديلا استضافة كأس العالم لتنظيف سمعة نظام اختطف وعذّب نحو 30 ألف مواطن. وقد نجحت الخطة وقتها، وصورت الصحافة العالمية الأرجنتين كـ «أسعد دولة في العالم». وفي سياق مشابه، استغل الاتحاد السوفييتي أولمبياد موسكو عام 1980م كأداة دعائية ضخمة للتغطية على غزوه البربري لأفغانستان، ومحاولة كسر العزلة الدولية التي فرضتها عليه القوى الغربية، ورغم أن أكثر من 60 دولة قاطعت البطولة احتجاجًا على التدخل العسكري السوفييتي، حرصت موسكو على إظهار صورة القوة والازدهار عبر تنظيم افتتاح مبهر وتجنيد الرياضة كوسيلة لإبراز مكانتها العالمية.

الإدانة الدولية… رصد المنظمات الحقوقية للظاهرة
غالبا ما تمر إستراتيجيات «الغسيل الرياضي» دون تعرية؛ رغم أن المنظمات الحقوقية تقود حراكاً لا يكاد يسمع لفضح استغلال الملاعب للتغطية على الانتهاكات، وسط اتهامات للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بتقديم المصالح المادية على حقوق الإنسان. وقد حاولت «هيومن رايتس ووتش» تأصيل الظاهرة تاريخياً من بكين وروسيا 2018 حتى مونديال 2026، محذرة من امتدادها للدول الديمقراطية وتوظيفها كستار دخاني في مناطق النزاعات، وفي سياق متصل، فكّك برنامج «الرياضة المستبدين» التابع لمؤسسة حقوق الإنسان آليات الأنظمة القمعية في تدوير المليارات لبناء قوة ناعمة خادعة تمحو صورتها السلبية باستبدالها بلقطات الانتصارات الرياضية. ولكن هذه الممارسات ما زالت تمر دون تسليط ضوء كثيف عليها؛ فمراقبة المنظمات الحقوقية الدولية لظاهرة «الغسيل الرياضي» ما زالت خافتة وتواطؤ المؤسسات الرياضية الكبرى وعلى رأسها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يمر حتى دون أن تلاحظه منظمات حقوق الإنسان.

نحو منافسات شريفة ورياضة نظيفة
لا بد أن يدرك المشجعون واللاعبون على حد سواء أن الهتاف في المدرجات يجب ألا يكون صخبا يُغطي على أنين الضحايا خلف الأسوار، وإنما صوت هادر يطالب برياضة نظيفة ومنافسات شريفة تعيد للإنسان قيمته وكرامته قبل أي حسابات سياسية أو مالية. وحتى لا تتحول هذه الرياضة إلى أداة تخدم الطغاة، يجب أن تبقى الرياضة ساحة للشعوب، لا ستاراً دخانياً لطمس الحقيقة؛ فيجب ألا تحجب أضواء الملاعب البراقة أبداً ظلال الاستبداد والقمع، ولا ينبغي أن تمحو صفقات المليارات صرخات الباحثين عن الحرية. إن استعادة الروح الحقيقية للرياضة تتطلب أن يدرك المشجعون واللاعبون على حد سواء أن الهتاف في المدرجات يجب ألا يكون صدىً يُغطي على أنين الضحايا خلف الأسوار، بل صوتًا يطالب برياضة نظيفة ومنافسات شريفة تُعيد للإنسان قيمته قبل أي حسابات سياسية أو مالية.

تواصل معنا

انضم إلى نشرتنا الاخبارية

حقوق الملكية ©AATWorld 2023. جميع الحقوق محفوظة. AATWorld

من نحن

هنا في مجموعة AAT ، يتعرف التجار ورجال الأعمال والمصنعون والمستوردون والمصدرون على بعضهم البعض ويتعاونون على الرغم من المسافات والبلدان واللغات المختلفة.

Newsletters

لا تخسر العروض والفرص التجارية

انضم إلى قائمتنا البريدية لتلقي آخر أخبار المنتجات وتحديثات الصناعة من التجارة العربية الآسيوية

2026@ AATWorld  | جميع الحقوق محفوظة.